الفرات ينزف أسماكه… الصيد بالكهرباء يستنزف ثروة الرقة
لم يعد الصيد في نهر الفرات بمحافظة الرقة مجرد مهنة تكافح لتأمين دخل يومي، بل تحول إلى مواجهة مفتوحة مع تراجع مخزون سمكي يزداد هشاشة، في وقت تجد فيه وسائل الصيد الجائر طريقها إلى النهر، وعلى رأسها الصعق الكهربائي.
صيادون يعملون على الفرات منذ عقود يتحدثون عن فارق صارخ بين ما كان النهر يمنحه سابقًا وما تبقى اليوم. محمد العجيل، الذي يمارس الصيد بترخيص منذ عام 1984، يقول إن إنتاجه اليومي الذي كان يقترب من 200 كيلوغرام في سنوات سابقة، انخفض إلى نحو 50 كيلوغرامًا، معظمها من الأسماك الصغيرة.
الصورة لا تبدو مجرد تراجع موسمي. جاسم الحميدي يشير إلى اختفاء أنواع كانت مألوفة في الفرات، بينما أصبحت أسماك مثل «الفرخ والمجناس والرومي» نادرة. أما ياسين العويد، فيروي مشاهدته لنحو كيلوغرام من البيوض داخل إحدى الأسماك، في تفصيل صغير يلخص حجم الخسارة عندما تُصاد الأسماك قبل أن تمنح النهر فرصة لاستعادة نفسه.
كهرباء في الماء.. وخسارة في المستقبل
الصيد بالصعق الكهربائي قد يبدو وسيلة أسرع وأكثر ربحًا، لكنه يدفع الثمن من المخزون نفسه. الباحث في المعهد العالي للبحوث البحرية بجامعة اللاذقية، أمير إبراهيم، يوضح أن التيار الكهربائي يشل حركة الأسماك ويسهّل جمعها، لكنه لا يتوقف عند الأنواع المستهدفة.
صغار الأسماك واليرقات والكائنات الأخرى في البيئة النهرية تصبح جزءًا من الخسارة، كما يمكن أن تطال العملية أسماكًا لم تبلغ سن النضج الجنسي، ما يضرب دورة التكاثر ويؤخر قدرة المخزون على التعافي لسنوات.
المفارقة أن صياد الشبكة، الذي يراهن على بقاء النهر مصدر رزقه، يجد نفسه في منافسة غير متكافئة مع من يستنزفه بأدوات أسرع وأكثر تدميرًا. ويقول الحميدي إن الصيد بالكهرباء قد يدر دخلًا يصل إلى ثلاثة أضعاف ما يحصل عليه صياد الشباك.
هنا لا تبدو المشكلة بيئية فقط، بل اقتصادية أيضًا: كل سمكة تُقتل قبل موسم تكاثرها تعني موردًا أقل في المستقبل، وكلما انخفض المخزون ازدادت الضغوط على الصيادين، وازداد إغراء الوسائل الأكثر فتكًا.
قانون موجود.. ورقابة تكافح على الأرض
تؤكد الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية أن القانون رقم 11 لعام 2021 يجرّم الصيد الجائر بالكهرباء، وينص على ضابطة سمكية لملاحقة المخالفات، إلى جانب مصادرة المضبوطات وتنظيم الضبوط وإحالة المخالفين إلى القضاء.
لكن وجود النص القانوني لا يعني بالضرورة أن النهر محمي. فالهيئة نفسها تقر بصعوبات تواجه عناصر الحماية في الظروف الراهنة، وتقول إنها تعمل على تكثيف الرقابة، خصوصًا خلال موسم منع الصيد الممتد من 15 آذار إلى 31 أيار.
وتكشف هذه الفجوة بين القانون والميدان واحدة من مشكلات الإدارة العامة في سوريا: تشريعات موجودة، وخطط معلنة، لكن قدرتها على الوصول إلى أطراف النهر ومواجهة المخالفات تبقى محدودة.
20 مليون إصبعية.. هل تكفي لإنقاذ الفرات؟
تطرح الهيئة خطة لإنتاج 20 مليون إصبعية خلال 2026، إلى جانب العمل على إقامة محميات مائية وتطوير مراكز التفريخ والتوعية بأساليب الصيد المستدامة.
لكن إعادة ضخ الأسماك إلى نهر يستمر استنزافه ليست حلًا مكتملًا. فالإنعاش لا يمكن أن ينجح إذا بقيت الحماية أضعف من أدوات الصيد المخالفة.
ويرى الخبير التنموي أكرم العفيف أن الحل يحتاج إلى إشراك المجتمعات المحلية في مراقبة النهر، وتشديد تطبيق القانون، ومنع الكهرباء والديناميت والسموم، بالتوازي مع تطوير مشاريع التربية السمكية.
في النهاية، لا يواجه الفرات أزمة أسماك فحسب، بل أزمة إدارة لمورد طبيعي يفترض أن يكون مصدر رزق مستدامًا. وبين خطط الحكومة السورية الانتقالية لإعادة تأهيل المخزون وواقع النهر، يبقى الاختبار الحقيقي خارج المكاتب: هل تستطيع الدولة حماية السمكة قبل أن تصبح مجرد رقم في خطة إنعاش؟
اقرأ أيضاً: جدل حول قرار منع الصيد في الساحل السوري