جدل حول قرار منع الصيد في الساحل السوري

يواجه مئات الصيادين على الساحل السوري تداعيات قرار منع الصيد البحري باستخدام شباك “الشنشيلة” خلال الفترة الممتدة من 16 يوليو/تموز وحتى 15 أغسطس/آب من كل عام، في وقت يؤكد فيه مسؤولون أن الإجراء يأتي في إطار حماية الثروة السمكية خلال موسم التكاثر، بينما يرى العاملون في القطاع أن القرار ألحق خسائر مباشرة بمصدر دخلهم الأساسي، خصوصاً أنه تزامن مع ذروة الموسم الصيفي.

وأثار القرار حالة من الجدل بين الصيادين في محافظتي اللاذقية وطرطوس، إذ اعتبر عدد منهم أن توقيت المنع لا يراعي التغيرات التي شهدها البحر الأبيض المتوسط خلال السنوات الأخيرة، ولا الظروف الاقتصادية التي يعيشها العاملون في قطاع الصيد، مطالبين بإعادة النظر في آلية تطبيق القرار وإشراك ممثلي الصيادين في مناقشة الإجراءات المتعلقة بالمهنة.

وقال الصياد حسان عدلة، من مدينة جبلة جنوب اللاذقية، إن الصيادين لا يعارضون تنظيم عمليات الصيد أو اتخاذ إجراءات للحفاظ على الثروة السمكية، إلا أنهم يرفضون صدور قرارات تؤثر على مصدر رزقهم دون التشاور معهم أو توضيح الأسس العلمية التي استندت إليها.

وأوضح أن شباك “الشنشيلة” تستخدم أساساً في صيد الأسماك السطحية المهاجرة، مثل السردين والبلميدا، والتي يكون موسمها معروفاً خلال أشهر الصيف، معتبراً أن وقف الصيد في هذه الفترة يعني خسارة القسم الأكبر من الدخل السنوي للصيادين، نظراً إلى تراجع النشاط البحري بعد انتهاء موسم هجرة هذه الأنواع.

من جهته، أشار الصياد عبد الله بوز إلى أن أشهر الصيف تمثل الفترة الأهم بالنسبة للعاملين في المهنة، وأن التوقف الإجباري عن العمل خلالها يضع الكثير من العائلات أمام تحديات معيشية كبيرة، لافتاً إلى أن أصحاب القوارب يبقون مطالبين بتسديد أجور العمال وتكاليف الصيانة والمحروقات رغم توقف نشاطهم.

وأضاف أن البحر الأبيض المتوسط شهد خلال السنوات الماضية تغيرات بيئية ومناخية انعكست على حركة الأسماك ومواسم هجرتها، الأمر الذي يستوجب – بحسب رأيه – تحديث مواعيد المنع استناداً إلى دراسات علمية حديثة، بدلاً من الالتزام بتوقيت ثابت كل عام.

كما حذر من أن انخفاض كميات الصيد خلال فترة المنع قد يؤدي إلى تراجع المعروض في الأسواق المحلية، الأمر الذي قد ينعكس على أسعار الأسماك ويؤثر في المستهلكين، إلى جانب الخسائر التي يتكبدها الصيادون.

وفي مدينة طرطوس، قال الصياد عبد الرزاق صالح إن القرار تسبب بتوقف عشرات قوارب الصيد التي توفر فرص عمل لعدد كبير من العمال، موضحاً أن العديد من الأسر تعتمد بشكل كامل على الدخل اليومي الناتج عن الصيد البحري.

وأكد صالح أن الصيادين لا يطالبون بإلغاء القوانين أو السماح بالصيد الجائر، وإنما بإيجاد آلية أكثر مرونة تراعي الواقع الميداني، بحيث يقتصر المنع على الأنواع التي تكون في موسم التكاثر بدلاً من وقف نشاط الصيد بشكل شبه كامل، مشدداً على أهمية إشراك الصيادين في أي قرارات تتعلق بالقطاع، باعتبارهم الأكثر اطلاعاً على طبيعة التغيرات التي يشهدها البحر.

في المقابل، أوضح أحد المعنيين في مديرية المصائد والرخص التابعة للهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية، أن قرار المنع يستند إلى أحكام القانون رقم (11) لعام 2021 والتعليمات التنفيذية الخاصة بقانون الثروة السمكية والأحياء المائية، ويهدف إلى حماية المخزون السمكي خلال فترة التكاثر وضمان استدامته.

وبيّن المسؤول أن فرع اللاذقية في الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية أصدر تعميماً يقضي بمنع الصيد باستخدام شباك “الشنشيلة” في المياه الإقليمية السورية بين 16 يوليو و15 أغسطس من كل عام، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

كما أصدرت المديرية العامة للموانئ تعميماً إلى موانئ الصيد والمخافر البحرية لتنفيذ القرار، مع السماح باستمرار صيد أسماك “البلميدا” فقط، شريطة استخدام شباك لا تقل فتحة عينها عن 40 ميليمتراً، والعمل على مسافة لا تقل عن ألف متر من حافة الصخور، وفي أعماق لا تقل عن 40 قامة، أي ما يقارب 73 متراً، مع حصر عمليات الصيد خلال ساعات النهار.

من جانبه، أوضح الخبير في شؤون الثروة السمكية محمد زينب أن وقف الصيد خلال مواسم التكاثر يعد إجراءً معمولاً به في العديد من دول العالم، نظراً لدوره في منح الأسماك فرصة لإتمام دورة التكاثر والحفاظ على المخزون السمكي على المدى الطويل.

وأشار زينب إلى أن نجاح مثل هذه الإجراءات يتطلب أن تستند إلى دراسات علمية محدثة تأخذ في الاعتبار التغيرات المناخية والبيئية التي شهدها البحر الأبيض المتوسط، وما نتج عنها من تبدل في حركة بعض الأنواع السمكية ومواسم وجودها.

وأضاف أن حماية الثروة السمكية لا تعتمد على قرارات المنع وحدها، وإنما على التعاون بين الجهات الرسمية والباحثين والعاملين في قطاع الصيد، موضحاً أن إشراك الصيادين في وضع السياسات يسهم في تحسين تطبيق القرارات ورفع مستوى الالتزام بها، كما أن عدداً من الدول يرافق فترات منع الصيد ببرامج دعم أو تعويض للعاملين في هذا القطاع.

وبين تمسك الجهات الرسمية بضرورة الحفاظ على الثروة السمكية واستدامة الموارد البحرية، واستمرار مطالب الصيادين بإعادة النظر في آلية تنفيذ القرار، يبقى الجدل قائماً حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية البيئة البحرية وضمان استمرار مصادر دخل مئات العائلات التي تعتمد على الصيد كمورد رئيسي للرزق.

اقرأ أيضاً:فوضى السلاح والخدمات تهدد السياحة في الساحل السوري

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.