الميادين والبوكمال.. خدمات منهكة وحلول مؤجلة في شرق دير الزور

في شرق دير الزور، لا تبدو أزمة الخدمات في الميادين والبوكمال مجرد أعطال متفرقة في شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، بل واقعاً يومياً يختبر قدرة الحكومة السورية الانتقالية على الوصول إلى مدن ما تزال تدفع ثمن سنوات طويلة من التهالك والدمار. وبين مشاريع لم تتجاوز الدراسة وأخرى تسير ببطء، يجد السكان أنفسهم أمام خدمات أساسية لا تزال تعمل بالحد الأدنى، بينما تتسع الاحتياجات أسرع من قدرة المؤسسات على الاستجابة.

النفايات المتراكمة، الحفر التي تملأ الشوارع، الروائح المنبعثة من شبكات الصرف، والانقطاع الطويل للكهرباء، تحولت إلى تفاصيل عادية في حياة السكان. وفي البوكمال، يقول الأهالي إن ضعف الصرف الصحي ووصول مياه الشرب يفاقمان المشكلات الصحية والخدمية، فيما لا تكفي ساعات التغذية الكهربائية لتسيير الحياة اليومية.

وتصل كلفة الاشتراك بالأمبير إلى نحو 35 ألف ليرة أسبوعياً، في وقت لا تتجاوز فيه التغذية الكهربائية، وفق إفادات الأهالي، نحو ثماني ساعات يومياً. أما في الميادين، فتتحدث شهادات عن أربع أو خمس ساعات من الانقطاع مقابل ساعة وصل، ما دفع مزيداً من السكان إلى الاحتماء بالطاقة الشمسية كحل فردي لمشكلة يفترض أن تكون مسؤولية عامة.

شبكات متعبة.. ومشاريع تنتظر

في البوكمال، لا توجد حالياً مشاريع قيد التنفيذ لتأهيل شبكة الصرف الصحي، بحسب رئيس وحدة المياه مالك شهاب، الذي أرجع ذلك إلى نقص الكوادر والآليات وغياب إحصائية شاملة تحدد حجم الأضرار.

وبينما تنتظر المدينة تدخلاً من المنظمات العاملة في هذا القطاع، تقتصر الخطط المحلية على دراسة لاستبدال أجزاء متضررة من الشبكة بطول يصل إلى عشرة كيلومترات. دراسة أخرى تنضم إلى قائمة طويلة من الاحتياجات التي تنتظر التمويل والتنفيذ.

حتى المياه لا تصل بالتساوي. فالضخ في البوكمال يجري وفق نظام المداورة بين القسمين الشرقي والغربي، ما يترك الأحياء البعيدة أمام حصة أقل من المياه.

وفي الميادين تبدو المشكلة أكثر وضوحاً: محطة المياه صممت لخدمة نحو 50 ألف نسمة، بينما يقترب عدد السكان الحالي من أربعة أضعاف طاقتها التصميمية. ومع تمدد المدينة، بات العجز يتركز في الأطراف، حيث لا يبدو الحل ممكناً من دون إعادة تأهيل المحطة وإنشاء خطوط تغذية رئيسية جديدة.

ولا تتوقف المشكلة عند ضعف الإمداد، إذ ما تزال أجزاء من الشبكة القديمة المصنوعة من الأسبستوس مستخدمة، فيما تؤدي الكسور والأعطال إلى مخاطر تلوث المياه، رغم إجراءات التعقيم والكلورة الدورية.

الكهرباء.. تقنين بلا نهاية واضحة

في قطاع الكهرباء، لا تبدو الصورة أفضل. فالشركة العامة لكهرباء دير الزور تربط كمية التغذية بما يصلها من التنسيق الرئيسي في دمشق وبالوضع الفني للشبكات، فيما تعمل على إصلاح الأضرار وفق المواد والآليات المتاحة.

هذه العبارة تختصر جانباً من المعضلة: الإمكانات المتاحة لا تتناسب مع حجم الخراب.

فالشبكات المتضررة تحتاج إلى إعادة تأهيل، والمدن تحتاج إلى توسعة مستمرة، بينما تبقى الاستجابة مرتبطة بما يتوفر من مواد وكوادر وآليات. وبين الطرفين، يتحمل السكان كلفة العجز عبر المولدات والأمبيرات والطاقة الشمسية، أي عبر حلول خاصة لمشكلات عامة.

أزمة أكبر من مشروع

المشهد في الميادين والبوكمال يكشف أن أزمة الخدمات ليست مجرد ملف تقني يمكن حله بإصلاح خط مياه أو تبديل محولة كهرباء. المشكلة أعمق: بنية تحتية منهكة، توسع سكاني وعمراني، نقص في الموارد، ومشاريع بطيئة لا توازي حجم الحاجة.

وفي البوكمال، يطالب السكان بإزالة النفايات وتحسين الصرف الصحي وتأهيل الطرق، بينما تنتظر شبكات أخرى دورها في قائمة الاحتياجات. وفي الميادين، يتسع الفارق بين قدرة المنشآت الحالية وعدد السكان، فيما تبقى الحلول الجذرية مؤجلة.

وبينما تتحدث الجهات الخدمية عن مشاريع ودراسات وإجراءات مرتبطة بالإمكانات المتاحة، يواجه السكان النتيجة النهائية مباشرة: ماء لا يكفي، كهرباء لا تستقر، صرف صحي يتداعى، وطرق تحتاج إلى إعادة تأهيل.

في شرق دير الزور، لا تبدو المشكلة في غياب الاحتياجات أو حتى في غياب الخطط، بل في المسافة الفاصلة بين ما تحتاجه مدن أنهكتها سنوات الحرب وما تستطيع الحكومة السورية الانتقالية تقديمه فعلياً. وهذه المسافة، ما لم تُردم بمشاريع واسعة وتمويل مستدام وإدارة أكثر فاعلية، ستبقي الميادين والبوكمال عالقتين في مرحلة مؤجلة من التعافي، حيث يصبح الحد الأدنى من الخدمات إنجازاً يُنتظر بدلاً من أن يكون حقاً بديهياً.

 

اقرأ أيضاً: احتجاجات في دير الزور للمطالبة بتحسين الخدمات وإنهاء التهميش

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.