اتفاق اندماج قسد يقترب من محطته الأخيرة… الألغام والملفات العالقة تؤجل حسم المشهد في شمال شرقي سوريا
بعد أكثر من ستة أشهر على توقيع اتفاق 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية الانتقالية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، تتحدث دمشق للمرة الأولى بوضوح عن وصول عملية الاندماج إلى “مراحلها الأخيرة”. غير أن الطريق نحو إنهاء أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد السوري لا يزال محفوفًا بعقبات ميدانية وأمنية، بينما يسبق الحديث عن الحسم السياسي واقعٌ لم يكتمل بعد على الأرض.
وقال عضو الفريق الرئاسي المكلّف بتطبيق الاتفاق، مصطفى عبدي، إن تنفيذ الاتفاق بلغ مراحله النهائية، لا سيما على المستويين العسكري والأمني، في إشارة تعد الأقوى منذ بدء مسار الاندماج. إلا أن التصريحات تجنبت تحديد موعد واضح لاستكمال التنفيذ، الأمر الذي يعكس استمرار وجود ملفات لم تُحسم بعد، رغم التقدم الذي تتحدث عنه الجهات الرسمية.
اندماج يتقدم… وإعلان الحل ما زال مؤجلاً
تتزامن هذه التصريحات مع تصاعد التسريبات حول قرب الإعلان عن حل “قسد” و”الإدارة الذاتية”، ضمن استكمال تنفيذ الاتفاق الموقع مع الرئيس السوري أحمد الشرع. غير أن دمشق و”قسد” تواصلان الامتناع عن تأكيد هذه المعلومات، ما يبقي المشهد بين التصريحات السياسية والوقائع التنفيذية.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت محافظة الحسكة انتقال إدارة عدد من المؤسسات الحكومية إلى سلطة الدولة، وتسلم مواقع عسكرية وحواجز، إلى جانب تغييرات إدارية اعتُبرت خطوات تمهيدية لإعادة دمج مؤسسات المنطقة ضمن الهيكل الإداري للدولة.
ورغم هذه التطورات، لا تزال قضايا إعادة هيكلة القوات، والانتشار الأمني، وآليات الإدارة المحلية، من أكثر الملفات حساسية، وهو ما يفسر استمرار العمل التدريجي بعيدًا عن إعلان سياسي نهائي.
الألغام… الحرب التي لم تنتهِ
إذا كانت السياسة تتحدث عن اقتراب نهاية الانقسام، فإن الجغرافيا ما تزال تفرض شروطها القاسية.
فملف عودة آلاف المهجرين إلى رأس العين يصطدم بانتشار كثيف للألغام ومخلفات الحرب، التي تحولت إلى العائق الأكبر أمام إعادة الحياة إلى المنطقة. وأكد عبدي أن فرق إزالة الألغام تعمل منذ نحو خمسين يومًا على تطهير الطرق والمناطق الواقعة بين تل تمر ورأس العين، بمساندة وحدات الجيش السوري، في محاولة لتهيئة الظروف أمام عودة المدنيين.
لكن أكثر من 12 ألف عائلة ما تزال تنتظر إعلان المنطقة آمنة، فيما تبقى الطرق والأراضي الزراعية شاهدة على حرب انتهت عسكريًا، لكنها ما زالت تحصد ضحاياها بصمت.
عودة بطيئة… واختبار لقدرة الدولة
تؤكد الحكومة أنها نجحت في إعادة ثماني دفعات من النازحين إلى عفرين، وتعمل على استكمال عمليات العودة إلى رأس العين، إلا أن بطء إزالة الألغام، واستمرار هشاشة البنية الأمنية، يؤخران هذا المسار.
ورغم أن الحكومة الانتقالية تطرح ملف عودة المهجرين بوصفه أولوية، فإن الواقع يكشف أن نجاح هذه الجهود لا يتوقف على القرارات الإدارية وحدها، بل يحتاج إلى إمكانات ميدانية أكبر، وتسريع عمليات إزالة مخلفات الحرب، وتأمين الخدمات الأساسية في المناطق المستهدفة بالعودة.
بين السياسة والميدان
تكشف التطورات الأخيرة أن تنفيذ الاتفاق يسير بخطوات متدرجة، لكنه لم يصل بعد إلى لحظة الحسم التي تتحدث عنها التسريبات. فإعادة دمج المؤسسات العسكرية والإدارية تبدو أقرب من أي وقت مضى، إلا أن نجاحها يبقى مرتبطًا بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع مستقر، لا سيما في الملفات الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها الأمن، وعودة المهجرين، وإزالة آثار سنوات الصراع.
وبينما تتجه الأنظار إلى احتمال إعلان رسمي خلال الأسابيع المقبلة بشأن مستقبل “قسد” و”الإدارة الذاتية”، يبقى المشهد مفتوحًا على اختبار مزدوج: اختبار سياسي يقيس قدرة الاتفاق على إنهاء حالة الانقسام، واختبار ميداني أكثر صعوبة، يقيس قدرة الدولة على إعادة الحياة إلى مناطق ما تزال الألغام فيها أقوى حضورًا من مظاهر التعافي.
اقرأ أيضاً: هل تحل قسد نفسها فعلاً..؟