العنف مستمر في سوريا.. الأسباب متعددة والمنظمات الدولية وكأنها غير موجودة

داما بوست - يمان العبود

تشهد سوريا حالة من الانفلات الأمني المستمر وارتفاع ملحوظ في معدلات جرائم القتل والانتهاكات القائمة على العرق أو الدين، وسط تراجع في مستوى تفاعل المنظمات الحقوقية والإنسانية في هذا الملف مقارنة بالمرحلة التي سبقت سقوط نظام الأسد، وتشير المعطيات إلى أن الدعم الدولي الذي تحظى بها الحكومة الانتقالية في سوريا يؤثر بشكل مباشر على عمل المنظمات ويمنعها من العمل بشكل حقيقي على متابعة أعمال العنف واستمرارية الفوضى الأمنية التي تشهدها مختلف المناطق السورية، وتقول المعلومات التي حصلت عليها شبكة “داما بوست”، إن الحكومة إلى الآن لا تمتلك أي خطة واضحة لمكافحة فوضى السلاح وجمعه من المناطق التي تحسب على أنها مؤيدة للحكومة الجديدة.

تشير إحصائيات المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن شهر حزيران شهد مقتل  189 شخصًا في مختلف أنحاء سوريا، بينهم 159 مدنيًا، موضحاً أن الحصيلة “تعكس استمرار العنف وتعدد مصادر التهديد التي تطال المدنيين والعسكريين على حد سواء، وتوزعت الخسائر البشرية بين جرائم القتل، والعمليات العسكرية، والألغام ومخلفات الحرب، والاغتيالات، والاقتتال المحلي، والهجمات المتفرقة”، كما تقول ارقام المرصد إن الشهر نفسه شهد تسجيل “44 جريمة قتل، أسفرت عن مقتل 48 شخصاً، بينهم 3 أطفال و5 نساء و40 رجلاً، توزعت على معظم المحافظات السورية.”، مشييراً إلى “تنوع أساليب القتل، بين إطلاق النار والطعن بالسلاح الأبيض، والقتل داخل المنازل وبعد الاختطاف، إضافة إلى جرائم استهدفت عائلات كاملة، ما يعكس اتساع دائرة العنف وعدم اقتصارها على فئة محددة من المجتمع.”

وتبدو الأرقام المسجلة خلال شهر حزيران لوحده مثيرة للكثير من الأسئلة حول جدية تعامل الحكومة السورية مع ملف السلاح المنفلت، وتقول مصادر عشائرية لـ داما بوست إن الحكومة السورية تعتمد على السلاح الموجود بحوزة المؤيدين لها، لما يمكن تسميته بـ “حالات الضرورة”، والتي يقصد بها المواجهات المفتوحة مع الخصوم السياسيين المحتملين سواء في السويداء، أو الفصائل الكردية المسلحة في محافظة الحسكة، أو أي تحرك محتمل لما يسمى بـ “فلول النظام”، في مناطق الساحل السوري، كما إن العشائر نفسها لن تقبل بتسليم أسلحتها بما في ذلك الثقيلة منها خشية من الكثير من الاحتمالات مثل مواجهة تنظيم داعش، أو ربما المواجهة المحتملة مع فصائل الحشد الشعبي إن تدخلت في حال قررت الحكومة السورية التدخل عسكرياً في لبنان.

وتقول ناشطة مدنية تقطن في حمص، وفضلت عدم الكشف عن هويتها خلال حديثها لـ داما بوست، إن جرائم القتل القائمة على أساس طائفي لم تتوقف منذ سقوط النظام، ولا يوجد أي تحرك فعلي من قبل الحكومة لملاحقة الفاعلين على ما يبدو إذ إن تكرار أسلوب القتل وتنفيذ الهجمات في الأحياء ذات الغالبية العلوية يشير إلى أن الفاعلين ينتمون لذات الجهة، ويمتلكون حرية التحرك بين أحياء المدنية دون أن يكون ثمة أي ملاحقة من قبل الحواجز الأمنية أو الدوريات التابعة لقوات وزارة الداخلية، وهذا يؤكد على إن التقصير في ضبط الأمن ومنع جرائم القتل يحمل نوعاً من التعمد من قبل الأجهزة الأمنية في محافظة حمص على الأقل، ما يهدد مسار العدالة الانتقالية، وينذر بالمزيد من القتل الطائفي، علماً أن غالبية الضحايا هم من الشبان الصغار والنساء.

الأمر في محافظة درعا مختلف في الشكل فقط، إذ يشرح أحد صحفيي المحافظة في حديثه لـ داما بوست، إن عمليات القتل التي تشهدها المحافظة تقوم أساساً على عمليات الانتقام من الشخصيات التي عملت أو يشتبه بأنها عملت مع الأجهزة الاستخبارية للنظام السابق، كما إن بعض جرائم القتل تنشأ عن مشاجرات أو خلافات مالية، لكن السلاح الذي ما زال بيد الفصائل التي اندمجت شكلياً مع قوات وزارة الدفاع هو الأساس في المشكلة، كما إن معظم سكان محافظة درعا باتوا يمتلكون اليوم أسلحة نارية في منازلهم.

وينسحب الأمر على محافظات حلب والمنطقة الشرقية التي تشهد بشكل مستمر صدامات مسلحة بين العوائل التي تقطن المنطقة على أساس عمليات الثأر القديم والخلافات الشخصية التي قد تتحول لحالة من الاشتباك الذي يصل حد استخدام الأسلحة الثقيلة والقذائف الصاروخية، ولا تمتلك الحكومة السورية في مثل هذه الحالات القدرة على فض هذه الاشتباكات بشكل مباشر، وإنما تنتظر حتى تدخل وجهاء العشائر لتهدئة الأجواء قبل أن تقوم بالانتشار في مناطق التوتر، علماً أن من بين المشتبكين في كل مرة يكون شخصيات منتسبين لقوات وزارة الدفاع والداخلية، ويستخدمون السلاح المسلم لهم من قبل الحكومة في الاشتباكات العشائرية.

لا تبدو سوريا مؤهلة للهدوء الميداني وبسط القانون في مختلف المحافظات السورية خلال المرحلة القادمة، وقد تستمر الاشتباكات العشائرية والقتل الطائفي وجرائم القتل متعددة الأسباب حتى فترة طويلة، وطالما كانت المنظمات الحقوقية لا تمارس الضغوط المطلوبة منها في مثل هذه الحالات على الحكومة السورية، فإن إحصائيات الضحايا ستظل في حالة ارتفاع مستمر، وقد يكون الرقم في نهاية العام الحالي يفوق كل تصور.

إقرأ أيضاً: السلاح المنفلت في سوريا.. اشتباكات عائلية تفجر المخاوف وتُنعش مطالبات الضبط

إقرأ أيضاً: السلاح المنفلت في سوريا: قنبلة موقوتة تهدد السلم الأهلي ومستقبل العدالة الانتقالية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.