إعادة بناء التعليم في سوريا.. إصلاح المناهج وتأهيل المعلمين مدخل لبناء الدولة
تتجاوز عملية إعادة بناء التعليم في سوريا حدود الترميم المادي للمدارس أو استئناف الفصول الدراسية؛ إذ يمثل إصلاح القطاع التعليمي ركيزة أساسية في مشروع إعادة بناء الدولة والمجتمع. ويشدد باحثون ومختصون على أن تجاوز آثار سنوات الحرب يستدعي وضع تصور تعليمي حديث يقوم على مبادئ المواطنة، والمساواة، وتكافؤ الفرص، واحترام التنوع.
تطوير المناهج وتجاوز أسلوب التلقين
يرى الكاتب والمفكر السوري عبد الله تركماني أن إصلاح التعليم يأتي في مقدمة أولويات المرحلة الانتقالية. وأوضح تركماني أن المشكلة الأساسية في النظام الحالي تكمن في اعتماده التاريخي على التلقين والحفظ، مشدداً على ضرورة الانتقال نحو نموذج تعليمي يعزز مهارات التفكير النقدي والتحليل المستقل لدى الطلاب.
وحذر تركماني من محاولات فرض توجهات أيديولوجية أو أفكار متطرفة على البرامج الدراسية، داعياً إلى مراجعة شاملة للمناهج لتقديم محتوى متوازن يكرس قيم الفكر الحر. كما تساءل عن أوضاع الكوادر التدريسية، مشيراً إلى أن تسرب الخبرات وتدني الأجور دفعا العديد من المعلمين نحو التعليم الخاص والدروس الخصوصية، مما يحتم تحسين أوضاعهم المادية والمهنية.
التعليم كمرآة لشكل سوريا المستقبلية
من جانبها، تؤكد الباحثة السورية سوسن زكزك أن النظام التعليمي يجب أن يعكس شكل الدولة والمجتمع المأمول. وأوضحت أن بناء دولة قائمة على المواطنة والمساواة يقتضي تضمين المناهج مفاهيم حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وإعادة صياغة تدريس الأديان عبر منهج موحد يركز على القيم والأخلاق بدلاً من المناهج المتعددة.
ولعل من أبرز المقترحات التي طرحتها زكزك لإصلاح البيئة المدرسية:
-
تطوير أساليب التدريس: جعل العملية التعليمية أكثر ديمقراطية عبر تفعيل “البرلمانات الطلابية” المنتخبة لمناقشة القضايا المدرسية.
-
احترام التنوع اللغوي: إدخال حصص لتعليم اللغات المحلية المتنوعة في سوريا كخيارات إضافية، مع الحفاظ على اللغة العربية كلغة أساسية.
-
إعادة كتابة التاريخ: تقديم تاريخ سوريا من منظور شامل يعرض كافة الحضارات المتعاقبة دون إقصاء.
-
تعزيز الفكر العلمي: إعطاء مساحة أكبر للعلوم الحديثة وتنقية المناهج من المفاهيم الغيبية لصالح التفكير المنطقي.
تأهيل المعلم والدعم النفسي كأولوية تربوية
من جهته، يوضح الباحث في العلوم الإنسانية حسام حسون أن الاستثمار في التعليم هو استثمار مباشر في مستقبل سوريا. وبين حسون أن مرحلة إعادة البناء تتطلب التركيز على تأهيل المعلمين ورفع كفاءتهم، إلى جانب تطوير الإدارات المدرسية وتوفير الوسائل التعليمية الحديثة.
كما شدد حسون على أهمية تفعيل دور المرشد النفسي داخل المدارس لمعالجة الآثار النفسية والاجتماعية لدى الأطفال، مؤكداً على النقاط التالية:
-
مراعاة التنوع الثقافي والديني: انعكاس التعددية السورية في الممارسات اليومية داخل المدرسة وتجنب فرض معتقد معين.
-
ضبط الخطاب الإعلامي: أهمية تكامل الإعلام والتربية لمنع انتشار الخطابات الإقصائية أو الطائفية المؤثرة على الأطفال.
-
استمرارية الأنشطة التربوية: تنظيم ورشات عمل وبرامج مهارية مستمرة طوال العام الدراسي والعطل الصيفية تلبي الاحتياجات النمائية للطلاب.
إن إصلاح التعليم في سوريا مسار شامل لا يتوقف عند تغيير الكتب، بل يمتد لبناء بيئة تربوية متكاملة تجمع بين العلم، والدعم النفسي، وقبول الآخر.
إقرأ أيضاً: وزير التربية يكشف خطة إصلاح التعليم أمام مجلس الشعب
إقرأ أيضاً: التعليم في سوريا 2026.. أكثر من 5.2 مليون طالب و«منهاج دمشق» في جميع المحافظات