من اتفاق آذار إلى الدمج: كيف تغيّر موقع قسد في مفاوضاتها مع دمشق؟
بين اتفاق 10 آذار 2025 الذي جمع دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والتحولات التي شهدها ملف الدمج لاحقاً، تبدّل ميزان القوى بصورة واضحة. ففي حين دخلت قسد المفاوضات وهي تسيطر على معظم شمال شرقي سوريا، وتدير حقولاً رئيسية للنفط والغاز ومعابر وسدوداً، إضافة إلى امتلاكها قوة عسكرية منظمة وعلاقة مباشرة مع الولايات المتحدة، باتت عملية دمج قواتها ومؤسساتها تجري في ظل نفوذ ميداني أضيق وشروط تفاوضية مختلفة.
وبعد نحو 17 شهراً من اتفاق آذار، أعلن مظلوم عبدي، القيادي العسكري والسياسي الكردي الذي يشغل حالياً منصب مستشار لدى رئاسة الجمهورية، حل قسد كقوة عسكرية مستقلة، بالتزامن مع بدء وزارة الدفاع تسلّم الأسلحة الثقيلة التي كانت بحوزتها، واتساع انتشار وزارة الداخلية في الحسكة باتجاه القامشلي، إلى جانب انتقال مؤسسات أمنية وإدارية إلى مرجعية الدولة.
وتكشف هذه التطورات، وفق مسار الأحداث الوارد في المادة، عن اتساع الفجوة بين ما كان متاحاً لقسد عند توقيع الاتفاق وما آلت إليه ترتيبات الدمج لاحقاً.
اتفاق آذار فتح باباً لشراكة أوسع
لم يتضمن اتفاق 10 آذار حصصاً محددة مسبقاً لقسد داخل مؤسسات الدولة السياسية أو العسكرية، لكنه وضع إطاراً يسمح بالتفاوض على مشاركتها في مؤسسات الدولة الجديدة.
ونص الاتفاق على الاعتراف بالأكراد مكوناً أصيلاً من مكونات الدولة وحقوقهم الدستورية، إلى جانب مشاركتهم في مؤسساتها ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا.
ومع بدء المفاوضات التي تلت الاتفاق، ظهرت إمكانية لتحويل جانب من النفوذ الميداني الذي تمتعت به قسد إلى حضور سياسي وإداري داخل مؤسسات الدولة. وشملت المقترحات مشاركة في الجيش والأمن والإدارة، إضافة إلى الحفاظ على حضور محلي مهم في الحسكة.
كما طالت الترتيبات مجلس الشعب، إذ كان من المفترض أن تحصل قسد على كتلة تضم عشرة أعضاء يرشح مظلوم عبدي أسماءهم، إلى جانب ترشيحات لمناصب تنفيذية وعسكرية وأمنية.
وكانت أهمية هذه الترتيبات بالنسبة لقسد تتمثل في إمكانية تثبيت حضورها داخل مؤسسات الدولة الجديدة بدلاً من بقاء نفوذها مرتبطاً حصراً بالسيطرة العسكرية والميدانية.
لكن قيادة قسد، ولا سيما مظلوم عبدي والسياسية السورية الكردية إلهام أحمد، أبقت ملفات الدمج واللامركزية والأمن والحقوق الدستورية ومستقبل الإدارة الذاتية ضمن دائرة التفاوض، أملاً في الوصول إلى تفاهم أوسع.
تأخر التنفيذ غيّر مسار المفاوضات
دخلت دمشق وقسد خلال الأشهر التالية في لجان متخصصة لمناقشة دمج القوات والمؤسسات، إلا أن تنفيذ اتفاق آذار تأخر، رغم تحديد نهاية عام 2025 موعداً نهائياً لتنفيذه.
وفي 18 كانون الثاني 2026، تم التوصل إلى اتفاق جديد وضع تفاصيل أكثر تحديداً لعملية الدمج، ونص على تسليم الرقة ودير الزور وحقول النفط والغاز والمعابر إلى الدولة.
وتزامن الاتفاق مع تراجع عسكري سريع لقسد، قبل أن تدخل قوات وزارة الداخلية إلى الحسكة والقامشلي في شباط، وتبدأ عملية نقل الملف الأمني إلى مؤسسات الدولة.
وشملت الترتيبات كذلك نقل مسؤولية سجون ومخيمات تنظيم “داعش” إلى الدولة، وهو ما أنهى إحدى أبرز الأوراق الأمنية التي كانت تمتلكها قسد في علاقتها مع واشنطن.
وبذلك انتقلت المفاوضات من البحث في شروط الشراكة والدمج إلى تنفيذ ترتيبات تجري في ظل ميزان قوى مختلف عن ذلك الذي كان قائماً عند توقيع اتفاق 10 آذار 2025.
دمشق عززت موقعها وتركيا ضغطت باتجاه الدمج
يرتبط تغير شروط التفاوض، وفق المعطيات الواردة في المادة، بالتوقيت الذي جرت فيه عملية التسوية. ففي الفترة التي بقيت فيها الملفات الأساسية عالقة، واصلت دمشق تعزيز علاقاتها الدولية مع واشنطن والعواصم العربية والأوروبية.
في المقابل، استمر الضغط التركي على بقاء بنية عسكرية مستقلة تابعة لقسد، الأمر الذي أثر في حسابات الأطراف المعنية بمستقبل شمال شرقي سوريا.
كما تغيرت أهمية العلاقة بين قسد والولايات المتحدة بالنسبة إلى حسابات مظلوم عبدي. فالتقارب بين واشنطن ودمشق، بالتوازي مع الدور التركي في الترتيبات السورية والإقليمية، جعل الحفاظ على الوضع القائم شرق الفرات أقل أولوية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، مقارنة بالتوصل إلى تسوية لا تؤدي إلى أزمة جديدة مع تركيا.
وأظهرت مواجهات كانون الثاني 2026 هذا التحول على الأرض، بعدما خسرت قسد الرقة ودير الزور ومناطق واسعة، إضافة إلى موارد ومعابر، ما أدى إلى تضييق هامشها التفاوضي مقارنة بما كان عليه عند توقيع اتفاق آذار.
تسليم الأسلحة الثقيلة وبدء تغيير البنية العسكرية
برز التحول بصورة أوضح في بداية أيلول. ففي 3 أيلول بدأت قسد تسليم وزارة الدفاع أسلحة ومعدات ثقيلة، شملت مدرعات ومدفعية ذاتية الحركة وعربات عسكرية.
وجاءت هذه الخطوة في إطار انتقال تدريجي للملفات العسكرية والأمنية إلى مؤسسات الدولة، بالتوازي مع إعادة ترتيب انتشار القوات التابعة لوزارة الداخلية في محافظة الحسكة.
ويشكل ملف وحدات حماية المرأة “YPJ” أحد أبرز الاختبارات أمام عملية الدمج، نظراً إلى خصوصية تشكيلها وطبيعة بنيتها التنظيمية.
مستقبل وحدات حماية المرأة لا يزال قيد التفاوض
كانت قيادة YPJ تسعى إلى دخول الجيش السوري ضمن تشكيل نسائي منظم، لكن وزارة الدفاع رفضت إنشاء لواء مستقل للوحدات، لينتقل الملف إلى وزارة الداخلية.
وفي 7 أيلول، أعلنت المتحدثة باسم YPJ روكن جمال وجود تفاهم أولي يقضي بانضمام نحو 1,500 مقاتلة إلى وزارة الداخلية ضمن “قوة مهام خاصة”، على أن تنتشر القوة في الحسكة والقامشلي والمالكية وعين العرب.
لكن صيغة الدمج النهائية لم تُحسم بعد. إذ تسعى قيادة الوحدات، وفق المادة، إلى الإبقاء على جزء من هيكلها وقيادتها ونظام تدريبها، بدلاً من توزيع المقاتلات بشكل فردي على أجهزة وزارة الداخلية.
ومن شأن الصيغة النهائية للاتفاق تحديد ما إذا كانت YPJ ستحتفظ بخصوصيتها التنظيمية، أم ستدخل بصورة كاملة تحت سلسلة قيادة وزارة الداخلية.
مؤسسات الدولة توسع حضورها في الحسكة
ترافق التحول العسكري مع خطوات على المستوى الأمني والإداري. فقد تسلمت قوات وزارة الداخلية معسكر الطلائع في الحسكة، ووسعت انتشارها باتجاه القامشلي وعلى الطرق الرئيسية، بالتزامن مع بدء دمج عناصر “الأسايش”، وهي كلمة كردية تعني الأمن.
وفي 3 أيلول، بدأت قسد تسليم وزارة الدفاع الأسلحة والمعدات الثقيلة، في خطوة عكست انتقال جزء أساسي من القدرات العسكرية إلى مؤسسات الدولة.
أما على المستوى الإداري، فشكل محافظ الحسكة مكتباً تنفيذياً مؤقتاً لمجلس مدينة القامشلي من تسعة أعضاء، برئاسة المهندس برين سامي المحمد، الذي سبق له العمل في جهاز البلديات التابع للإدارة الذاتية.
ويعكس اختيار شخصية سبق أن عملت ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية توجهاً نحو استيعاب بعض الكوادر السابقة داخل مؤسسات الدولة، بدلاً من استبدالها بالكامل.
وبذلك تتجه عملية الانتقال على ثلاثة مسارات متوازية: تسليم السلاح والقدرات العسكرية إلى وزارة الدفاع، ونقل الملف الأمني إلى وزارة الداخلية، وإعادة تنظيم الإدارة المحلية ضمن مؤسسات الدولة، مع استيعاب جزء من الكوادر والعناصر السابقة.
ماذا بقي لقسد من مكاسب الاتفاق؟
رغم التحولات التي شهدها ميزان القوى، احتفظت قسد بعدد من المكاسب التي أقرها اتفاق آذار، أبرزها الاعتراف الرسمي بالحقوق الكردية، وإدماج آلاف من عناصرها وموظفي إدارتها في مؤسسات الدولة، إضافة إلى استمرار حضور محلي مهم لها في الحسكة، وحصول بعض قياداتها على مواقع داخل مؤسسات الدولة.
لكن بعض الترتيبات التي كانت مطروحة خلال المرحلة الأولى من التفاوض لم تتحقق بالشكل الذي كان متوقعاً.
فالكتلة البرلمانية المكونة من عشرة أعضاء، والتي كان يفترض أن يرشح مظلوم عبدي أسماءها، لم تتحقق. كما انتهى موقع عبدي إلى منصب مستشار لدى رئاسة الجمهورية، من دون اختصاص معلن.
ويبرز الفارق بين مرحلتي آذار 2025 ومرحلة الدمج الحالية في طبيعة الظروف التي تحيط بالتفاوض. فعند توقيع الاتفاق، كانت قسد تمتلك سيطرة ميدانية واسعة ومساحة أكبر للتفاوض على شروط دخولها في مؤسسات الدولة.
أما مع تراجع سيطرتها على مناطق شرق الفرات والموارد والمعابر، فقد أصبحت عملية الدمج تجري ضمن شروط أقل اتساعاً من تلك التي كانت متاحة عند توقيع اتفاق آذار.
ومن هنا، يظهر أن تأخر تنفيذ التسوية لم يوقف مسار الدمج، لكنه غيّر البيئة التي يجري فيها، ونقل التفاوض من محاولة تثبيت شروط الشراكة إلى إدارة عملية اندماج في ظل ميزان قوى جديد.
إقرأ أيضاً: من حل «قسد» إلى الاعتراف بالحقوق الكردية.. دمشق تعيد رسم العلاقة مع القوى الكردية