النشل يفرض سطوته على أسواق إدلب.. انفلات أمني يكشف عجز الحكومة عن حماية المواطنين

لم تعد السرقة في أسواق إدلب حادثة عابرة أو خبراً يطويه النسيان، بل تحولت إلى جزء من المشهد اليومي، حيث بات المواطن يدخل السوق حاملاً خوفه قبل نقوده، ويغادره وهو يتفقد جيوبه أكثر مما يتفقد مشترياته. وبين الازدحام والفوضى، وجدت عصابات النشل بيئة مثالية للنمو، في ظل تراجع واضح للرقابة الأمنية، واستمرار عجز الحكومة السورية الانتقالية عن فرض منظومة أمنية قادرة على حماية الناس وممتلكاتهم.

ففي وضح النهار، وبين حركة الأسواق المكتظة، تتكرر عمليات خطف الحقائب والهواتف والمحافظ خلال ثوانٍ معدودة، بينما ينجح الجناة في الفرار عبر الدراجات النارية أو الأزقة الضيقة، تاركين خلفهم ضحايا لا يملكون سوى الصدمة والإحساس بالعجز.

من الأسواق إلى الشوارع… الخوف أصبح رفيق المتسوقين

تجربة مريم البنا ليست سوى واحدة من عشرات القصص التي تتكرر في إدلب. فقد فقدت حقيبة تضم مصاغاً ذهبياً ومدخرات سنوات بعد أن انتزعها لص ملثم يستقل دراجة نارية، قبل أن يختفي عن الأنظار خلال لحظات، رغم محاولات المارة اللحاق به.

ومنذ تلك الحادثة، تقول إنها لم تعد تشعر بالأمان في الشارع، وأصبحت تخشى السير وحدها، بينما باتت عائلتها ترافقها في تنقلاتها خشية تعرضها لاعتداء جديد.

هذا الشعور لم يعد استثناءً، بل تحول إلى حالة عامة يعيشها كثير من السكان، بعدما أصبحت الأسواق الشعبية بيئة خصبة للنشالين الذين يستغلون الزحام والانشغال لتنفيذ عملياتهم بسرعة ودقة.

اقتصاد منهك… وسرقات تضرب التجار

ولا تتوقف الخسائر عند المواطنين، إذ يدفع التجار أيضاً ثمن الانفلات الأمني. ففي البازارات والأسواق الأسبوعية، تتكرر عمليات سرقة البضائع الصغيرة مستغلة ازدحام الزبائن، بينما تتعرض محال أخرى لعمليات اقتحام ليلية في ظل ضعف الحراسة وغياب الرقابة.

ويؤكد عدد من أصحاب المحال أنهم اضطروا إلى تركيب كاميرات مراقبة وأنظمة حماية إضافية، أو تحميل جزء من خسائر السرقة على أسعار بضائعهم، الأمر الذي يفاقم الأعباء الاقتصادية في سوق يعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية.

وهكذا تتحول الجريمة من اعتداء على الأفراد إلى عامل إضافي يضغط على النشاط التجاري ويقوض الثقة بالأسواق المحلية.

أمن متأخر… واستجابة لا تواكب الظاهرة

ورغم إعلان الأجهزة الأمنية عن ضبط بعض العصابات خلال الأشهر الماضية، فإن معظم عمليات النشل الفردية تمر من دون نتائج ملموسة، نتيجة غياب منظومات المراقبة، وتأخر الإبلاغ، وسهولة فرار الجناة عبر الدراجات النارية والأحياء المكتظة.

ويقر رئيس فرع المباحث الجنائية في إدلب بأن عصابات النشل أصبحت تعتمد أساليب منظمة تقوم على توزيع الأدوار بين المراقبة والتنفيذ وإخفاء المسروقات، مستفيدة من غياب الكاميرات وكثافة الحركة داخل الأسواق الشعبية.

كما يشير إلى أن الأسواق المزدحمة والأزقة الفرعية تمنح الجناة أفضلية واضحة للهروب، بينما يبقى دور الأجهزة الأمنية محصوراً في الدوريات وجمع المعلومات، وهي إجراءات تبدو غير كافية أمام تطور أساليب المجرمين واتساع رقعة الظاهرة.

غياب الردع يهدد الثقة بالمؤسسات

المشكلة لم تعد في عدد السرقات فقط، بل في الرسالة التي يتلقاها المواطن يومياً: يمكن أن تُسلب ممتلكاتك في وضح النهار، ومن دون ضمان استعادتها أو محاسبة الفاعل. وهذا أخطر ما يفرزه ضعف الدولة، لأنه يبدد الإحساس بالأمان ويقوض الثقة بالمؤسسات العامة.

ورغم حديث الحكومة السورية الانتقالية عن إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الأمن، فإن الواقع في أسواق إدلب يكشف فجوة واسعة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن. فالأمن لا يقاس بعدد البيانات الصادرة أو الحملات الموسمية، بل بقدرة الناس على السير في شوارع مدنهم من دون خوف، وبقدرة التاجر على فتح متجره من دون أن يحسب خسائر السرقة ضمن كلفة العمل.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى النشال هو المستفيد الأكبر من غياب الردع، فيما يدفع المواطن والتاجر الثمن، مرة بخسارة المال، ومرة بخسارة الشعور بالأمان، وهي خسارة لا تعوضها أي تعويضات أو وعود رسمية.

 

اقرأ أيضاً: ظاهرة نشل الحقائب بالدراجات النارية في دمشق: فلتان أمني يثير رعب المارة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.