سوريا.. جدل اقتصادي حول استخدام الصكوك السيادية لتمويل العجز

فتحت الخطوات الحكومية المتسارعة نحو إصدار أول صكوك سيادية في سوريا باباً واسعاً للنقاش والجدل الاقتصادي حول الأهداف الحقيقية الكامنة وراء هذا التوجه، وفيما إذا كانت هذه الأداة المالية ستُستغل لتمويل مشاريع استثمارية وإنتاجية تنموية، أم أنها ستتحول إلى وسيلة جديدة لتغطية الإنفاق الجاري وسد فجوات موازنة عام 2026

وتزامن هذا السجال مع إعلان وزير المالية السوري محمد يسر برنية في 25 أيار/مايو الماضي أن الوزارة تضع اللمسات الأخيرة على البيئة التشريعية والتنظيمية والتقنية المطلوبة قبيل تحديد قيمة الإصدار الأول، بهدف ضمان نجاح هذه الأدوات التمويلية الإسلامية وتحقيق أثر مستدام في السوق المحلية كبديل للسندات التقليدية القائمة على الفوائد المباشرة.

جذور المشروع ومحاولات الاستفادة التاريخية

لا يعد مشروع الصكوك الإسلامية وليد الساعة في المشهد الاقتصادي السوري، إذ يعود الحراك الفعلي لتنظيمه إلى آب/أغسطس من عام 2024 إبان عهد الحكومة السورية السابقة، وحينها أكد مدير الإيرادات العامة في وزارة المالية أنس علي أن العمل جارٍ لإنجاز صك تشريعي يتيح طرح أوراق مالية حكومية تحت اسم “الصكوك الإسلامية السيادية” بغرض تمويل مشروعات استثمارية عامة تدر دخلاً للخزينة وللمستثمرين، فضلاً عن إتاحة الفرصة للشركات الخاصة لإصدار صكوك مشابهة لدعم مشاريعها الإنتاجية، وهو ما تماشى أيضاً مع رؤية قديمة طرحها الرئيس التنفيذي لبنك “سوريا الدولي الإسلامي” بشار الست في نهاية عام 2018 حين أشار إلى الدور الحيوي المنتظر للصكوك في مرحلة إعادة الإعمار وقدرتها على تعزيز سيولة المصارف الإسلامية وتنشيطها.

شكوك حول حقيقة العجز والضغوط التضخمية

في مقابل التطمينات الرسمية، حذر خبراء اقتصاديون من التداعيات العكسية لهذه الخطوة في حال انحرافها عن مسارها التنموي، وحول هذا السياق أوضح الخبير الاقتصادي كرم الشعار في تقرير تابعته منصة “تلفزيون سوريا” أن الترويج للصكوك كأداة لامتصاص العجز الحكومي دون التسبب في تضخم نقدي، يثبت بوضوح أن الإنفاق بالعجز لا يزال مستمراً في سوريا، مما يدحض الادعاءات السابقة التي روجت لخلو موازنة عام 2026 من العجز المالي

وأضاف الشعار أن التضخم المرتفع وتأرجح سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار يمثلان دليلين قويين على تواصل الضغوط المالية، لافتاً إلى أن التعديلات الضريبية الارتجالية والسخية وغير المحسوبة، إلى جانب الارتفاع الأخير في كتلة الرواتب والأجور رغم أهميته المعيشية، قد ساهما بشكل مباشر في اتساع الفجوة المالية وتراجع الموارد الحكومية.

مخاطر تدوير الديون وعزوف المستثمرين

من جهته، قدم الخبير الاقتصادي جورج خزام قراءة تحليلية لأدوات الدين الحكومي، مبيناً أن طرح هذه السندات يهدف أساساً إلى تجنب الإفراط في طباعة العملة الورقية وما يتبعه من تضخم، عبر الحصول على تمويل من الخزينة العامة مقابل منح عوائد مجزية، غير أنه حذر من أن السندات تمثل “استدانة من المستقبل”، وإذا لم توجه حصيلتها نحو مشاريع إنتاجية قادرة على تحقيق أرباح تغطي أصل الدين وفوائده، فإن الحكومة ستجد نفسها مضطرة لإصدار سندات جديدة لسداد القديمة المستحقة، مما يدخل البلاد في حلقة مفرغة من تدوير وتراكم الديون السيادية

كما رجح خزام ضعف جاذبية هذه الصكوك لكونها مقومة بالليرة السورية التي تشهد تضخماً يفوق العوائد المتوقعة، إضافة إلى أن القيود الصارمة المفروضة على السحب المصرفي ستزيد من مخاوف المستثمرين وعزوفهم عن الشراء خشية تجميد أموالهم عند الاستحقاق داخل المصارف.

شروط الأثر الإيجابي وتراجع موارد الخزينة

أرجع جورج خزام اللجوء إلى أدوات الدين في هذا التوقيت إلى التراجع الحاد في إيرادات الخزينة السورية، نتيجة لتوجه الحكومة نحو إغلاق وتصفية العديد من المرافق والمعامل التابعة للقطاع العام، والاعتماد المتزايد على استيراد بدائل المنتجات الوطنية مما قلص التحصيل الضريبي والجمركي

واختتم خزام رؤيته بالتأكيد على أن الأثر الإيجابي لطرح الصكوك وسندات الخزينة يبقى مشروطاً بعدم إنفاق حصيلتها في مجالات استهلاكية كدفع الرواتب أو سداد ديون سابقة، بل يجب حصرها في إعادة إعمار المصانع وتشغيل العاطلين عن العمل، أو إقراضها للمنتجين والصناعيين لزيادة الإنتاج المحلي، فضلاً عن إمكانية استخدامها مؤقتاً كأداة مالية لسحب فائض السيولة النقدية من الأسواق لتهدئة معدلات التضخم وضبط سعر الصرف.

 

اقرأ أيضاً:محكمة دمشق ترد دعوى ضد وزير الطاقة لإلغاء رفع أسعار الكهرباء.. والجدل ينتقل إلى ساحة الاختصاص القضائي

اقرأ أيضاً:وزارة المالية تنشر جداول زيادات الرواتب لقطاعات الصحة والتربية والتعليم العالي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.