اقتصاد الكبتاغون في سوريا بعد سقوط الأسد: من “صناعة دولة” إلى “شبكات ظل” عابرة للحدود

كشف تقرير صادر عن مركز “إيتانا” للأبحاث والتوثيق عن تحول جذري في بنية ما كان يُعرف لسنوات بـ “اقتصاد الكبتاغون” في سوريا. فرغم سقوط نظام بشار الأسد، لم يختفِ هذا الملف من المشهد، بل خرج من طوره الصناعي الواسع والمنظم والمحمي سياسياً، إلى طور جديد أكثر تفتتاً ومحلية، لكنه أعلى مخاطرة وأكثر قدرة على التكيف مع الفراغ الأمني في الجنوب السوري.

إعادة صياغة ديناميكيات التهريب: الجذور والتحولات

لفهم عمق التحول الحالي، يستعرض تقرير “إيتانا” الجذور التاريخية لهذه التجارة خلال سنوات الحرب؛ حيث تحولت سوريا في ذروة النشاط إلى المركز العالمي الأبرز لإنتاج الكبتاغون:

  • الحصة العالمية: السيطرة على نحو 80% من الإمدادات العالمية.

  • العائدات المالية: تراوحت بين 2 و5 مليارات دولار سنوياً، شكلت دعامة أساسية لاقتصاد الحرب التابع للنظام السابق.

  • بنية السلطة: لم تكن مجرد تجارة موازية، بل شبكة معقدة تدمج الإنتاج، التخزين، النقل، المعابر غير الرسمية، التغطية الأمنية، والفساد الممتد حتى الحدود الأردنية وأسواق الخليج العربي.

تفكيك المختبرات وتحول سوريا إلى “وسيط لوجستي”

أكد التقرير أن ما بعد التغيير السياسي في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، شكل بداية فعلية لتفكيك هذه البنية التحتية الصناعية وليس مجرد تقليصها. وشنت السلطات الجديدة والمجموعات المحلية حملات داهمت وصادرت منشآت الإنتاج المحمية سابقاً.

وفي سياق متصل، أكد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة (UNODC) التطورات التالية:

  1. إغلاق المنشآت: تفكيك 15 مختبراً صناعياً و13 موقعاً أصغر للتخزين في سوريا منذ نهاية 2024.

  2. تعطيل التصنيع الواسع: انكماش القدرة الإنتاجية المحلية بشكل كبير، مما يعني أن مركز ثقل صناعة المادة الخام لم يعد داخل سوريا.

  3. خرائط نفوذ جديدة: تراجع التصنيع المحلي حوّل البلاد من “منتج صناعي” إلى “وسيط لوجستي”؛ حيث يدخل الكبتاغون كمنتج نهائي عبر لبنان، مع تدفق كميات من الميثامفيتامين (الكريستال ميث) عبر العراق.

البالونات الطائرة.. تكنولوجيا تهريب بديلة وأقل كلفة

رصد مركز “إيتانا” تحولاً لافتاً في أدوات التهريب منتصف عام 2025؛ فبعد الاعتماد الطويل على العنصر البشري والطائرات المسيّرة (الدرونز)، انتقلت الشبكات المتبقية إلى استخدام البالونات المحمولة جواً.

وتتميز هذه الوسيلة البسيطة بـ:

  • انخفاض احتمالية الرصد الحراري والراداري لإطلاقها من مسافات بعيدة عن الخط الحدودي المباشر.

  • قدرتها على حمل شحنات بوزن أكبر مقارنة بالمسيّرات.

  • تكلفتها المتدنية جداً مقارنة بوسائل التهريب التقليدية.

انقلاب خريطة الجغرافيا الميدانية: من السويداء إلى البادية

كشفت بيانات التقرير عن تبدل كامل في جغرافية الانطلاق نحو الحدود الأردنية:

  • في عهد النظام السابق: كانت محافظة السويداء تستقطب أكثر من 80% من محاولات العبور، مقابل 4% فقط من البادية السورية.

  • بعد سقوط النظام: انقلبت المعادلة تماماً، حيث باتت البادية السورية منطلقاً لنحو 80% من محاولات التهريب، بينما تراجعت السويداء إلى 12% فقط، وذلك نتيجة الفراغ الأمني المستجد في المناطق الصحراوية الممتدة وقلة الكثافة السكانية وتغير خارطة السيطرة العسكرية.

الفراغ الأمني على الحدود ومعادلة “المحاولات والنجاح”

أدى غياب قوات حرس حدود متخصصة وضعف الانتشار الأمني للسلطات السورية الجديدة -المنشغلة بأزمات داخلية متعددة- إلى مفارقة رقمية مثيرة؛ حيث انخفض عدد محاولات التهريب الإجمالية بنسبة 40%، لكن معدلات نجاح الشحنات في الوصول إلى أهدافها قفزت من 25% في عهد الأسد إلى 57% حالياً. ويعكس هذا التطور أن شبكات الظل المتبقية أصبحت أقل عدداً، لكنها أكثر انتقائية، وأشد مرونة وتكيفاً مع الثغرات الحدودية.

الضربات الاستباقية الأردنية واللجان المشتركة

دفع هذا الفراغ الأمني البري المملكة الأردنية الهاشمية إلى مواصلة سياسة الضربات الجوية الاستباقية. وبحسب تقارير لوكالة رويترز، اتفقت عمان ودمشق في كانون الثاني/ يناير 2025 على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لمكافحة تهريب الأسلحة والمخدرات.

ومع ذلك، تواصلت الغارات الجوية الأردنية داخل الجنوب السوري خلال عام 2025، وبلغت ذروتها في كانون الأول/ ديسمبر 2025 ثم في أوائل أيار/ مايو 2026، مستهدفة بنك أهداف يضم مواقع تخزين وتحضير ونقل في السويداء وريف دمشق، لمواجهة الاقتحامات المسلحة ومحاولات التهريب عبر المسيّرات والبالونات.

الخلاصة: اقتصاد ذكي أخفّ أثراً وأكثر فتكاً

يخلص تقرير “إيتانا” إلى أن المعنى الأعمق للمشهد الراهن هو أن اقتصاد الكبتاغون في سوريا لم ينتهِ، بل تحول إلى اقتصاد ظل وتهريب أصغر حجماً، لكنه أكثر ذكاءً وقابلية للبقاء والاعتماد على الهشاشة الأمنية الإقليمية؛ ما يعني أن خطر الشحنات المتوجهة نحو الأردن ودول الخليج العربي لا يزال قائماً ومستمراً وبآليات يصعب رصدها تقليدياً.

إقرأ أيضاً: دور مهربو الصحراء في ازدهار تجارة الكبتاغون في سوريا بعد سقوط الأسد

إقرأ أيضاً: عملية الردع الأردني.. لماذا استهدفت الغارات المكثفة مواقع في السويداء؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.