قرار “مشروبات دمشق”: تنظيم للآداب العامة أم رصاصة في جسد الحريات والاقتصاد؟
في وقت يصارع فيه السوريون للبقاء على قيد الحياة وسط انهيار تاريخي للقدرة الشرائية، فجّر المكتب التنفيذي لمجلس محافظة دمشق قنبلة من الجدل بقراره الأخير حول تنظيم بيع المشروبات الكحولية. القرار الذي يأتي في ذروة “المرحلة الانتقالية”، أثار تساؤلات حادة حول أولويات السلطة المحلية: هل الأولوية لرغيف الخبز والبطالة، أم لإعادة رسم خارطة “الحلال والحرام” في شوارع العاصمة؟
تفاصيل قرار محافظة دمشق الجديد بشأن المشروبات الكحولية
حدد القرار ضوابط صارمة تسببت في إرباك القطاع التجاري والسياحي، وأبرز بنودها:
- حصر البيع: قصر بيع المشروبات “المختومة” في أحياء (باب توما، القصاع، وباب شرقي).
- المسافات القانونية: اشتراط مسافة لا تقل عن 75 متراً عن المدارس، دور العبادة، والمقابر.
- حظر التقديم: منع تقديم المشروبات “بالكأس” داخل المحال التجارية تحت طائلة إلغاء الترخيص.
- مهلة التصحيح: منح المحال القائمة 3 أشهر فقط لتسوية أوضاعها وفق القوانين الجديدة.
تداعيات اقتصادية: هل تنتعش “السوق السوداء” في سوريا؟
يرى خبراء أن هذا القرار قد يؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالخزينة العامة المنهكة أصلاً:
- اقتصاد الظل: توقع الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن تساهم هذه القيود في إنعاش “التهريب” وبيع المشروبات عبر قنوات غير رسمية، مما يحرم الدولة من الضرائب.
- ارتفاع الأسعار: تقليص نقاط البيع سيؤدي حتماً إلى احتكار وارتفاع جنوني في أسعار المنتجات البديلة والمشروبات الروحية في السوق السوداء.
- تغيير هيكلية السوق: احتمال وجود مصالح خفية تهدف لتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات بديلة كالمشروبات الغازية والعصائر المحلية.
أبعاد سياسية: مخاطر التصنيف الدولي والحريات الدينية
حذر الخبير الاقتصادي عامر شهدا من أن توقيت القرار قد يضع سوريا في موقف حرج أمام المجتمع الدولي:
- قائمة القلق الخاص (CPC): قد يعزز القرار موقف اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية لإبقاء سوريا ضمن الدول المقيدة للحريات، مما يعرقل جهود رفع العقوبات.
- رسائل سلبية للمستثمرين: ربط الحريات الشخصية بالسياسات الحكومية يعطي انطباعاً بعدم استقرار البيئة التشريعية والاجتماعية في سوريا.
- خطاب التشدد: تزامن القرار مع حملات تشبه “الأمر بالمعروف” في بعض المناطق يثير مخاوف من تنامي الفكر المتشدد وتأثيره على دوائر صنع القرار.
بين اللاذقية ودمشق: هل هي سياسة “ممنهجة”؟
لا يبدو قرار دمشق معزولاً، بل يأتي ضمن سلسلة إجراءات شهدتها محافظات أخرى:
- في اللاذقية: شهد حي “الأميركان” حملات إغلاق مشابهة وفرض تعهدات بعدم البيع في مواسم معينة.
- في وزارة المالية: تم رفع سعر “لصاقة” المشروبات الكحولية إلى مستويات قياسية (حوالي 8.6 دولار)، مما اعتبره البعض تمهيداً للتضييق الحالي.
خلاصة:
بينما تنشغل دمشق بضبط المسافات بين “الخمارة والمدرسة”، يبقى المواطن السوري يبحث عن مسافة أمان بين دخله المحدود وخط الفقر المتصاعد. إنها مفارقة المرحلة الانتقالية التي بدأت تثير حفيظة الشارع والمحللين على حد سواء.
إقرأ أيضاً: تعديل سعر لصاقة المشروبات الكحولية في سوريا: قراءة في الأبعاد الاقتصادية