الزيتون في درعا يفقد أكثر من نصف قيمته.. وفرة المحصول تصطدم بالكساد وارتفاع كلفة الإنتاج

لم تتحول وفرة محصول الزيتون في درعا هذا الموسم إلى مكسب للمزارعين، بل جاءت بنتيجة معاكسة تماماً. فالكميات الكبيرة دفعت الأسعار إلى الهبوط بأكثر من النصف مقارنة بالموسم الماضي، في وقت ارتفعت فيه كلفة الأسمدة والأدوية والعمال والنقل، لتجد شريحة واسعة من المزارعين نفسها أمام محصول وفير لا يحقق العائد الذي يغطي كلفة إنتاجه.

وانخفض سعر كيلو الزيتون الأخضر المخصص للمائدة إلى نحو 60 ليرة سورية، مقابل 130 ليرة في الموسم الماضي، بينما تراجعت أسعار أصناف أخرى إلى نحو 30 ليرة. وبينما تبدو الوفرة في الظروف الطبيعية مؤشراً إيجابياً، تحولت في درعا إلى عبء إضافي بفعل ضعف التصريف وتراجع الطلب وتعثر قنوات التسويق.

إنتاج كبير وسوق عاجز عن الاستيعاب

تقدر مديرية زراعة درعا إنتاج المحافظة هذا الموسم بنحو 35 ألف طن، أي أكثر من ضعف إنتاج الموسم الماضي الذي لم يتجاوز 17 ألف طن، بعدما بلغ نحو 29 ألف طن في 2024.

لكن السوق المحلية لا تبدو قادرة على استيعاب هذه الكميات. ويقول التاجر هاني كيوان إن غياب التصدير إلى دول الجوار ساهم في تراكم المحصول، بالتزامن مع ارتفاع إنتاج الزيتون في محافظات أخرى، ما أغرق الأسواق بكميات تفوق قدرة التجار والمعامل على التصريف.

ويضيف أن المصانع لم تشترِ كميات كبيرة هذا الموسم، بسبب استمرار وجود كميات من الزيتون المخلل من الموسم السابق، وهو ما جعل جزءاً من المحصول الجديد يصل إلى السوق في ظروف تسويقية شديدة الصعوبة.

ولا تبدو المشكلة مرتبطة بوفرة الإنتاج وحدها، إذ إن غياب سياسة تسويقية قادرة على فتح أسواق خارجية أو استيعاب فائض الإنتاج يترك المزارع مكشوفاً أمام تقلبات السوق، بينما يتحمل وحده نتائج الفائض.

المزارع يدفع كلفة الوفرة

يواجه المزارعون معادلة أكثر قسوة: إنتاج أكبر، لكن عائد أقل، في وقت لم تتراجع فيه كلفة الزراعة. فالمزارع يونس السودي يشير إلى ارتفاع أسعار الأسمدة والأدوية وأجور العمال والنقل نتيجة ارتفاع كلفة المازوت.

وكان السودي يعول على ارتفاع سعر صنف “أبو شوكة”، المخصص للمائدة، لكنه وجد نفسه مضطراً لجني جزء من محصوله مبكراً بسبب نقص مياه الري.

وتزداد الخسارة عندما يكون الجني المبكر مرتبطاً بالحاجة إلى السيولة. فبعض المزارعين لا ينتظرون وصول الثمار إلى المرحلة التي تحقق سعراً أعلى، لأنهم يحتاجون إلى المال لتأمين احتياجات أسرهم أو تمويل بقية الموسم الزراعي.

ويقول التاجر لؤي الشرع إن بعض المزارعين توقفوا بالفعل عن جني المحصول وتركوه للعصر، بينما يواجه الزيتون المخصص للمائدة سوقاً محدودة بسبب ضعف الطلب الخارجي.

الجفاف يضغط من جهة والسوق من جهة أخرى

تأتي أزمة التسويق في موسم يعاني فيه القطاع الزراعي أصلاً من شح المياه. فقد تراجعت مصادر الري في درعا، مع جفاف أو انخفاض مخزون عدد من الآبار والينابيع والسدود، بينها المزيريب وعابدين وسحم وتسيل وعدوان.

وهكذا يجد المزارع نفسه أمام ضغطين متزامنين: مياه أقل تدفعه إلى تقليص خياراته الزراعية أو جني محصوله مبكراً، وسوق ضعيفة تدفع الأسعار إلى مستويات لا تتناسب مع كلفة الإنتاج.

وتكشف أرقام الموسم الماضي حجم هشاشة القطاع. فقد هبط إنتاج الزيتون في درعا من 29 ألف طن عام 2024 إلى 17 ألف طن في 2025 بسبب قلة الأمطار وجفاف مصادر الري والمعاومة، ما أدى حينها إلى ارتفاع أسعار الزيت.

أما هذا الموسم، فانقلبت المعادلة: عاد الإنتاج إلى الارتفاع، لكن السوق لم تتحسن معه.

وفرة بلا تصريف

على المستوى السوري، تقدر وزارة الزراعة إنتاج الزيتون المتوقع بنحو 954 ألف طن من أكثر من 101 مليون شجرة، ما يعني أن مشكلة التسويق قد تصبح أكثر اتساعاً إذا لم تتوافر قنوات كافية لتصريف الإنتاج.

وفي درعا تحديداً، لا تبدو وفرة المحصول كافية لإنقاذ المزارعين من الخسارة. فحين لا يرافق زيادة الإنتاج فتح أسواق جديدة أو دعم التصدير أو تطوير الصناعات التحويلية، تتحول الوفرة نفسها إلى عامل ضغط على الأسعار.

ويبقى المزارع الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؛ يتحمل كلفة المياه والأسمدة والدواء والعمال والنقل، ثم يدخل السوق مضطراً للبيع بالسعر الذي يفرضه ضعف الطلب. وفي غياب حلول تسويقية واضحة، قد لا يكون موسم الزيتون الوفير خبراً جيداً للمزارعين بقدر ما يكون موسماً آخر يراكم خسائر الزراعة السورية.

 

اقرأ ايضاً:

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.