نهر الفرات في سوريا.. ارتفاع المياه يعيد رسم معادلة النفوذ بين تركيا والعراق
أعاد ارتفاع منسوب نهر الفرات في سوريا أواخر أيلول 2026 ملف إدارة المياه بين تركيا وسوريا والعراق إلى الواجهة، بعدما دفعت التدفقات المرتفعة السلطات السورية إلى زيادة كميات المياه الممررة من سدودها، بالتزامن مع تحذيرات للسكان وارتفاع إنتاج الكهرباء وخروج محطات لمياه الشرب عن الخدمة في دير الزور.
وفي 28 أيلول، بلغ تصريف المياه الذي تمرره المؤسسة العامة لسد الفرات نحو 1200 متر مكعب في الثانية، في ظل استمرار ارتفاع الوارد المائي القادم من تركيا. وقررت السلطات السورية الإبقاء على هذا المستوى وفق المعطيات التشغيلية المتاحة.
ولا يتعلق الرقم بحجم مياه تطلقها تركيا مباشرة إلى سوريا، بل بكمية المياه التي يجري تمريرها عبر السدود السورية بعد وصول التدفقات القادمة من الأراضي التركية. وبينما تملك دمشق قدرة على تنظيم المياه داخل أراضيها، يبقى حجم الوارد من دولة المنبع عاملاً خارج سيطرتها الكاملة.
جغرافيا الفرات تمنح دولة المنبع نفوذاً أكبر
يمتد الفرات عبر ثلاث دول رئيسية؛ يبدأ من تركيا، ويدخل الأراضي السورية قرب جرابلس، ثم يمر بالرقة ودير الزور قبل وصوله إلى العراق. ويجعل هذا الترتيب الجغرافي تركيا دولة المنبع، وسوريا دولة وسطى، والعراق دولة مصب.
ويترتب على ذلك تفاوت في القدرة على إدارة النهر. فالدولة الواقعة عند المنبع تستطيع تخزين المياه وتنظيمها وتوليد الطاقة والتحكم في توقيت التصريف قبل وصول المياه إلى الدول الواقعة أسفل مجرى النهر.
وعززت شبكة السدود التركية، التي أُنشئت ضمن مشروع جنوب شرقي الأناضول، هذا الدور، بينما طورت سوريا بدورها منظومة من السدود على الفرات، في مقدمتها سد الطبقة، إضافة إلى منشآت أخرى مرتبطة ببحيرة الأسد وتوليد الكهرباء وتوزيع المياه.
لكن قدرة سوريا على التخزين أو تنظيم التدفقات تبقى مرتبطة جزئياً بحجم المياه التي تصلها من المنبع.
ترتيبات مائية مؤقتة منذ عقود
وتعود الخلافات حول تدفقات الفرات إلى عقود. ففي بروتوكول عام 1987 بين سوريا وتركيا، التزمت أنقرة خلال مرحلة ملء سد أتاتورك بالحفاظ على متوسط تدفق لا يقل عن 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود السورية، إلى حين التوصل إلى ترتيب نهائي لتقاسم المياه.
وفي مرحلة لاحقة، اتفقت سوريا والعراق على تقاسم المياه التي تدخل الأراضي السورية من الفرات بنسبة 42% لسوريا و58% للعراق.
وبقيت هذه الترتيبات ذات طابع مؤقت، في وقت لم تتوصل فيه دول الحوض الثلاث، وبعد نحو أربعة عقود، إلى نظام ثلاثي شامل ينظم إدارة الفرات في حالات الجفاف والفيضانات والتغير المناخي.
من أزمة نقص المياه إلى صعوبة التنبؤ بالتدفقات
طوال سنوات، ارتبطت أزمة الفرات في سوريا بانخفاض التدفقات والجفاف وتراجع إنتاج الكهرباء والأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي. لكن التطورات خلال 2026 أضافت جانباً آخر إلى المشكلة.
ففي أيار، شهدت الرقة ودير الزور ارتفاعات كبيرة في منسوب المياه، دفعت السلطات إلى اتخاذ إجراءات طارئة. وعادت التدفقات المرتفعة خلال الصيف والخريف، فيما رفعت المؤسسة السورية في أيلول كمية التصريف تدريجياً من 1100 إلى 1200 متر مكعب في الثانية، استعداداً لزيادة الوارد المائي وإفراغ جزء من القدرة التخزينية قبل فصل الشتاء.
وأصبحت إدارة الفرات بذلك مرتبطة ليس فقط بتأمين كمية كافية من المياه، وإنما أيضاً بمعرفة موعد وصولها وحجمها وسرعة تغير التدفقات.
وهنا تبرز أهمية البيانات الهيدرولوجية، إذ إن قدرة الدولة على التنبؤ بالتغيرات في النهر تمنحها وقتاً أكبر لتشغيل السدود وإدارة الكهرباء والمياه والزراعة والاستعداد للمخاطر.
تبادل البيانات يتحول إلى ملف سياسي
وفي حزيران، ناقش مسؤولون سوريون وأتراك تحسين إدارة الفرات وتنسيق مواقف البلدين قبل اجتماعات محتملة للجنة ثلاثية مع تركيا. وفي تموز، اتفق الجانبان على تعزيز تبادل البيانات الهيدرولوجية والعمل على إحياء اللجنة الفنية الثلاثية.
ويحمل هذا المسار بعداً يتجاوز الجانب التقني. فمعرفة مستويات التخزين في السدود التركية، وحجم الأمطار والثلوج، والتصريف المتوقع قبل وصول المياه بأيام أو أسابيع، تتيح لسوريا والعراق تعديل تشغيل منشآتهما المائية مسبقاً.
أما وصول الزيادة في التدفقات قبل توفر المعلومات الكافية عنها، فيضع السلطات أمام إجراءات طارئة بدلاً من التخطيط المسبق. لذلك أصبحت مشاركة البيانات عن النهر جزءاً أساسياً من إدارة المخاطر، إلى جانب النقاش التقليدي حول حصص المياه.
الرقة ودير الزور في واجهة تأثيرات الفرات
لا تبقى قرارات إدارة مياه الفرات محصورة في الاتفاقات بين الدول، إذ تظهر نتائجها مباشرة في شرق سوريا، ولا سيما الرقة ودير الزور.
فالتغيير في كمية المياه التي تمر عبر السدود يمكن أن يؤثر في مستويات البحيرات، وإنتاج الكهرباء، وسرعة التيارات، وتشغيل محطات الضخ، وحركة العبور، والأراضي الزراعية.
ويرتبط ملف المياه أيضاً بإعادة بناء سلطة الدولة في الشرق السوري، حيث كانت السدود والطرق والمنشآت المائية خلال عقد ونصف جزءاً من خطوط الصراع بين قوى مختلفة.
ومع إعادة دمج مؤسسات ومناطق شمال شرقي سوريا تدريجياً في بنية الدولة، تصبح السيطرة على البنية المائية جزءاً من إعادة تشكيل السيادة. وأشار تحليل للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن انتقال إدارة سد تشرين في 2025 ضمن ترتيبات أوسع بين سلطة دمشق والقوى الكردية يمكن أن يفتح المجال أمام مفاوضات مائية أكثر انتظاماً على مستوى الدول.
الفرات منظومة واحدة بين ثلاث دول
يظهر ارتفاع منسوب الفرات في 28 أيلول، للوهلة الأولى، كمسألة محلية تخص الرقة ودير الزور، لكنه يعكس شبكة مترابطة من القرارات تبدأ خارج الحدود السورية.
فالمياه تنطلق من جبال في تركيا، وتمر عبر السدود التركية، ثم تدخل منظومة السدود السورية وتساهم في إنتاج الكهرباء وتوفير المياه للمدن والزراعة، قبل أن تتابع طريقها إلى العراق الذي يعتمد بدوره على التدفقات القادمة من الشمال.
وبالتالي، لا تستطيع أي دولة من دول حوض الفرات إدارة النهر بصورة منفردة. فالمشكلة لم تعد تقتصر على تحديد كمية المياه التي تحصل عليها كل دولة، بل تشمل توقيت وصولها، وسرعة تغيرها، ومستوى المعلومات المتاحة عنها، وقدرة البنية التحتية على التعامل مع الفيضانات والجفاف والتغيرات المناخية.
ويضع ذلك سوريا وتركيا والعراق أمام تحدٍ مشترك: الانتقال من إدارة الفرات باعتباره ملفاً متقطعاً للأزمات إلى منظومة أكثر انتظاماً وقابلية للتنبؤ.
فالنهر الذي يبدأ في تركيا ويمر بسوريا قبل وصوله إلى العراق لا يتوقف عند الحدود السياسية، وأي تغيير في تدفقاته ينعكس على الدول الثلاث بدرجات مختلفة. ومن هنا، يرتبط مستقبل إدارة الفرات بقدرة هذه الدول على تطوير آليات مشتركة للمعلومات والتنسيق والتعامل مع التدفقات المتغيرة.
إقرأ أيضاً: تحذير رسمي من ارتفاع إضافي في منسوب نهر الفرات بالرقة ودير الزور
إقرأ أيضاً: نهر الفرات: خسائر تقصم ظهر مزارعي القمح وأزمة الأسعار تشتعل في الأسواق السورية