مقتل فرنسي في حارم يعيد ملف المقاتلين الأجانب إلى واجهة التوتر الأمني في سوريا
أعاد مقتل رجل فرنسي يُعرف باسم «أبو أيمن» بإطلاق نار على الطريق بين مخيم المقاتلين الفرنسيين ومدينة حارم في ريف إدلب الشمالي، ملف المقاتلين الأجانب وعلاقتهم بالسلطات السورية إلى الواجهة، في وقت تتصاعد فيه الخلافات بشأن مستقبل المخيم ومصير الجماعات المسلحة المقيمة فيه.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، أطلق مسلحون ملثمون النار على سيارة كان يستقلها «أبو أيمن» برفقة أشخاص آخرين، ما أدى إلى مقتله. وأعقبت الحادثة حالة استنفار داخل المخيم، وسط اتهامات أطلقها مقاتلون فرنسيون للأجهزة الأمنية التابعة للحكومة السورية بالوقوف وراء العملية،
وبحسب ماأعلنت قيادة الأمن الداخلي في إدلب مقتل مسلح يحمل الجنسية الفرنسية وإصابة مدني سوري خلال اشتباك بين دورية أمنية ومجموعة مسلحة خرجت من «مخيم الفرنسيين» باتجاه حارم، في واقعة قالت إنها بدأت بعد مخالفة المجموعة اتفاقاً يقضي بعدم مغادرة المخيم بالأسلحة.
ووفق رواية قيادة الأمن الداخلي، أطلق أفراد المجموعة النار على الدورية أثناء توجهها لإيقافهم، فردّ عناصرها على مصادر النيران. وأسفر الاشتباك عن مقتل أحد أفراد المجموعة وإصابة مدني، إضافة إلى تضرر سيارة تابعة لقوى الأمن الداخلي.
ولا تقتصر أهمية الحادثة على مقتل أحد المقيمين في المخيم، بل تأتي في سياق خلاف أوسع بين السلطات السورية وجماعة «الغرباء» الفرنسية، التي يقودها عمر أومسين، المعروف أيضاً باسم عمر ديابي، بشأن وضع المجموعة الأمني وعلاقتها بالدولة، في ظل مطالب بإخضاع السلاح والأنشطة الأمنية لسلطة المؤسسات الحكومية.
مخيم حارم.. خلاف يتجاوز الإجراءات الأمنية
يقع مخيم المقاتلين الفرنسيين في مدينة حارم قرب الحدود التركية، ويضم مقاتلين أجانب وعائلاتهم. ويشكل مستقبل المخيم أحد أبرز الملفات المرتبطة بكيفية تعامل السلطات السورية مع المجموعات الأجنبية التي استقرت في البلاد خلال سنوات الحرب، ولا سيما تلك التي تحتفظ بهياكل تنظيمية وعلاقات داخلية مستقلة عن مؤسسات الدولة.
وفي 7 تشرين الأول/أكتوبر، اتهمت جماعة «الغرباء» الحكومة السورية بالتحضير لعملية أمنية تستهدف المخيم. واستندت في بيانها إلى أعمال هدم لمنشآت ومنازل مهجورة في محيطه، وتمركز رشاش ثقيل في الجهة المقابلة، وتحليق طائرة استطلاع فوق المنطقة. ولم يصدر تعليق رسمي يوضح طبيعة هذه التحركات أو الغرض منها.
وفي السياق نفسه، تحدثت مصادر إعلامية محلية عن خطة محتملة لتفكيك المخيم، تتضمن تطويق المنطقة وتشديد الإجراءات الأمنية، تمهيداً لاعتقال عناصر من الجماعة يقيمون خارج المخيم. وربطت هذه المعلومات باتهامات تتعلق بارتكاب بعض عناصر «الغرباء» انتهاكات، من بينها الخطف والسرقة والاحتطاب، من دون توافر معلومات مستقلة كافية للتحقق من هذه الاتهامات.
كما تناولت تقارير متداولة احتمال فرض قيود على حركة دخول المواد الغذائية والمستلزمات إلى المخيم، عبر توجيه أصحاب المحال التجارية في حارم إلى الامتناع عن البيع للمقاتلين وعائلاتهم، إلى جانب إقامة حواجز وتشديد الرقابة على حركة الدخول والخروج.
لكن هذه المعلومات لا تثبت، بحد ذاتها، أن قراراً نهائياً اتُّخذ لتفكيك المخيم أو أن عملية عسكرية وشيكة باتت مقررة. كما أن غياب توضيح رسمي بشأن التحركات الأمنية يترك مساحة واسعة للتكهنات، ويزيد من صعوبة تحديد طبيعة الخطوات التي تستعد السلطات لاتخاذها.
اتهامات متبادلة ومخاوف من التصعيد
في المقابل، قال تجمع المهاجرين الفرنسيين إن المجموعة تتلقى تهديدات متكررة، واتهم الحكومة السورية بالتحضير لهجوم جديد قد يستخدم أسلحة ثقيلة. وتأتي هذه الاتهامات في ظل انعدام الثقة بين الطرفين، مع عدم توافر تأكيد مستقل بشأن وجود خطة عسكرية من هذا النوع.
وتكمن خطورة الوضع في أن استمرار الاتهامات المتبادلة، من دون قنوات معلنة للتواصل أو توضيحات بشأن الإجراءات الأمنية، قد يدفع الأطراف إلى التعامل مع التحركات الميدانية باعتبارها مؤشرات على هجوم وشيك. وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن تتحول إجراءات أمنية محدودة أو غير واضحة الأهداف إلى عامل إضافي للتوتر، خصوصاً في منطقة شهدت مواجهات سابقة.
تحذير أوزبكي يوسّع دائرة المخاوف
لم يقتصر القلق من احتمال المواجهة على المقاتلين الفرنسيين. فقد أعلن مقاتلون أوزبك، في بيان صدر عقب بيان الفرنسيين، رفضهم الوقوف على الحياد إذا تعرض المخيم لهجوم، محذرين من احتمال اندلاع مواجهة مسلحة.
ويشير هذا الموقف إلى أن أي تصعيد محتمل قد لا يبقى محصوراً بين السلطات السورية وجماعة «الغرباء»، بل قد يستدعي مواقف من مجموعات أجنبية أخرى. ومع ذلك، لا يكفي البيان وحده للجزم بوجود تحالف عسكري بين هذه المجموعات أو بتنسيق ميداني بينها.
وحذّر المقاتلون الأوزبك من تداعيات أي مواجهة على المدنيين، مشيرين إلى وجود نساء ونحو 100 طفل داخل المخيم. ويضع هذا المعطى سلامة العائلات في صلب المخاوف المرتبطة بأي عملية أمنية محتملة، سواء من ناحية مخاطر الاشتباكات المباشرة أو القيود التي قد تفرض على الحركة والإمدادات.
مواجهة 2025 تثير أسئلة بشأن احتواء الخلاف
وتعود جذور التوتر الحالي إلى خلافات سابقة بين السلطات ومقاتلين مرتبطين بأومسين. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025، شهدت المنطقة مواجهة بين القوات الحكومية ومقاتلين من المجموعة، انتهت باتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة محلية، وفق تقارير صحفية سابقة.
وتمحورت الخلافات آنذاك حول وضع الجماعة وعلاقتها بالسلطات، وسط اتهامات أمنية متبادلة. ويعيد تجدد التوتر طرح سؤال بشأن مدى قدرة التفاهمات المحلية على احتواء الخلاف بصورة مستدامة، في ظل غياب تسوية واضحة ومعلنة تحدد وضع المجموعة ومصير مخيمها.
وفي 26 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، تناول تقرير لقناة «الجزيرة» جماعة «الغرباء» بوصفها أحد الملفات التي تختبر سياسة الحكومة السورية تجاه المقاتلين الأجانب. وأشار التقرير إلى أن الجماعة تضم نحو 70 مقاتلاً فرنسياً.
ويعكس هذا الملف تحدياً يتجاوز التعامل مع مجموعة بعينها، إذ يرتبط بكيفية دمج المناطق التي تضم تشكيلات مسلحة في المنظومة الأمنية للدولة، وتحديد المسؤولية القانونية عن أنشطة تلك التشكيلات، والتعامل مع أفرادها وعائلاتهم من دون أن يؤدي ذلك إلى مواجهات جديدة.
مستقبل المخيم بين التسوية والمواجهة
تضع التطورات الأخيرة السلطات السورية وجماعة «الغرباء» أمام مسار محفوف بالمخاطر، في ظل غياب معلومات رسمية كافية عن الخطوات الأمنية المقبلة، وعدم وضوح مصير المخيم أو الآليات المقترحة لمعالجة الخلاف.
وقد يؤدي استمرار الوضع الحالي إلى إطالة أمد التوتر، خصوصاً إذا ترافقت الإجراءات الأمنية مع قيود على الإمدادات وحركة السكان، أو إذا اتسعت دائرة التهديدات لتشمل مجموعات أجنبية أخرى. وفي المقابل، فإن التوصل إلى تفاهم واضح بشأن الوضع القانوني والأمني للمقاتلين، وضمان سلامة العائلات، قد يحد من احتمالات التصعيد.
اقرأ أيضاً:مقتل مسلح فرنسي في اشتباك مع الأمن ومقتل جنديين بريف إدلب