إغلاق معبر نصيب يعرّي هشاشة الاقتصاد السوري.. شحنات عالقة وبدائل مكلفة
يكفي إغلاق معبر حدودي واحد لتعريض قطاعات من الاقتصاد السوري لمزيد من الاضطراب، في مشهد يكشف هشاشة سلاسل التوريد وغياب الجاهزية الكافية لمواجهة الطوارئ. فتعليق حركة التجارة والمسافرين عبر معبر نصيب مع الأردن لا يوقف عبور الشاحنات فحسب، بل يضع المصانع والتجار والمصدّرين أمام فاتورة مفتوحة من التأخير وارتفاع التكاليف، وسط غياب موعد معلن لاستئناف الحركة، وعدم توافر بيانات رسمية تحدد حجم الخسائر المحتملة.
وأعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية إغلاق المعبر، الثلاثاء، على خلفية التطورات الميدانية في محافظة درعا، من دون تحديد موعد لإعادة فتحه. وبحسب بيانات الهيئة، عبرت المعبر 26,485 شاحنة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بحمولة تجاوزت 607 آلاف طن، ما يعكس حجم المصالح التجارية والإنتاجية المرتبطة باستمرار الحركة فيه.
مواد أولية مهددة.. والإنتاج يدفع الثمن
تتجاوز المشكلة تأخر وصول البضائع إلى احتمال تعطّل حلقات كاملة من الإنتاج، ولا سيما في المصانع التي تعتمد على توريد المواد الأولية بصورة منتظمة ولا تملك مخزونات تكفي لفترات طويلة. ويوضح عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق أن تأخر مادة أساسية قد يدفع المصنع إلى شراء بديل محلي أعلى سعراً أو مختلف المواصفات، فتزداد كلفة الإنتاج ويتراجع هامش المنافسة.
وفي صناعة البسكويت، مثلاً، قد يؤدي تعذر تأمين أحد المدخلات الضرورية إلى رفع تكلفة المنتج النهائي. وهكذا تتحول أزمة النقل إلى عبء جديد على سوق تعاني أصلاً من ضغوط الأسعار وضعف القدرة الشرائية، فيما تبقى قدرة المنشآت على امتصاص الزيادة محدودة.
الصادرات تحت ضغط الوقت والكلفة
تواجه شحنات الخضار والفواكه المحمّلة في البرادات مخاطر إضافية، إذ يرفع الانتظار تكاليف التبريد والتشغيل، فيما قد يضطر المصدرون إلى تصريف بضائعهم محلياً أو تأخير التسليم، مع احتمال تحمل غرامات وفق شروط العقود.
ويشير الحلاق إلى احتمال ارتفاع تكلفة الإسمنت بنحو دولارين أو ثلاثة أو خمسة دولارات، تبعاً لظروف التوريد. لكن ذلك يبقى تقديراً لاحتمال زيادة الكلفة، وليس زيادة موثقة تحققت بالفعل نتيجة الإغلاق.
بدائل مكلفة.. واستجابة بلا صورة واضحة
يمكن اللجوء إلى أسواق ومسارات بديلة عبر العراق وتركيا ومصر، أو استخدام مرافئ أخرى، بينها المرافئ اللبنانية وميناء العقبة. غير أن تغيير المسار قد يطيل زمن الشحن ويرفع نفقاته، خصوصاً للمواد سريعة التلف والمدخلات التي لا يحتمل الإنتاج تأخرها.
المشكلة الأعمق تكمن في محدودية المعلومات المتاحة للتجار والصناعيين: لا موعد معلناً لاستئناف الحركة، ولا تقدير رسمي منشور لقيمة الشحنات المتأثرة أو الخسائر المباشرة. وفي اقتصاد يعاني أصلاً من اختلالات مزمنة، لا يكفي التعامل مع كل إغلاق بوصفه ظرفاً طارئاً؛ فإدارة المخاطر تقتضي خططاً بديلة وآليات واضحة لإبلاغ المتعاملين وتوجيه الشحنات.
ولا تثبت المعطيات المتاحة وجود فساد مرتبط بالإغلاق، لكنها تضع ضعف التخطيط المسبق وغياب الشفافية تحت المساءلة. فحين تتوقف حركة معبر بهذا الحجم، تصبح كلفة الغموض جزءاً من الأزمة، ويدفعها التاجر والصناعي والمستهلك، فيما تبقى الخسائر النهائية رهناً بمدة الإغلاق وسرعة معالجة الشحنات العالقة.
اقرأ أيضاً: كيف تعيد سوريا رسم خريطة تجارتها ومسارات العبور نحو الخليج بعد إغلاق معبر “نصيب”؟