حافلات حلب تحت الاختبار.. تنظيم الدائري الشمالي يكشف أزمة النقل العام المزمنة
لم يكن انتقال خط الدائري الشمالي في حلب من السرافيس إلى حافلات النقل الداخلي مجرد تعديل في مسار نقل، بل تحول خلال أيام قليلة إلى اختبار حقيقي لقدرة الحكومة السورية الانتقالية على إدارة أحد أكثر الملفات التصاقاً بحياة المواطنين اليومية.
فبين وعود بتنظيم النقل وإنهاء الفوضى التي رافقت عمل بعض السرافيس، وجد الركاب أنفسهم أمام مشهد جديد لا يخلو من الأزمات: انتظار أطول، ازدحام داخل الحافلات، ورحلات أصبحت أكثر إنهاكاً لطلاب وموظفين يعتمدون على هذا الخط للوصول إلى أعمالهم وجامعاتهم.
وتقول المحافظة إن الخطوة تهدف إلى ضبط المخالفات وتوحيد التعرفة وتحسين انسيابية الحركة، إلا أن الواقع الميداني كشف أن الانتقال من الفوضى القديمة إلى نظام جديد لا يزال يصطدم بضعف الجاهزية ونقص الإمكانات، ما يثير تساؤلات حول قدرة الخطط الحكومية على مواكبة احتياجات مدينة بحجم حلب.
ركاب بين انتظار طويل واكتظاظ خانق
في مواقف الدائري الشمالي، بات المشهد اليومي يحمل شكاوى متكررة من الركاب الذين يضطر بعضهم إلى الانتظار لفترات طويلة قبل وصول الحافلات، فيما يصل آخرون إلى وجهاتهم وسط ازدحام شديد داخل المركبات.
وتوضح رويدة حسن نصر أن الرحلة التي كانت تستغرق نحو عشرين دقيقة بالسرفيس أصبحت تمتد إلى قرابة خمسين دقيقة بالحافلة، بسبب طول الانتظار والتوقفات المتكررة، مشيرة إلى أن قدم الحافلات وارتفاع عدد الركاب زادا من صعوبة التنقل، خصوصاً لكبار السن والنساء.
أما الطالب محمد عفاش، فيشير إلى أن الطلاب باتوا يضطرون إلى مغادرة منازلهم قبل وقت أطول خشية التأخر عن محاضراتهم، بينما يؤكد موظفون أن ساعات التنقل أصبحت تستهلك جزءاً إضافياً من يومهم.
ولا تقتصر الملاحظات على الركاب، إذ يواجه سكان بعض الأحياء، ومنها حي سيف الدولة، صعوبة في الوصول إلى مناطق كانت مخدّمة سابقاً بخط مباشر، ما اضطر كثيرين إلى استخدام أكثر من وسيلة نقل ورفع تكاليف تنقلهم.
تنظيم بلا اكتمال الجاهزية
تؤكد محافظة حلب أن إعادة تنظيم الخط تأتي ضمن خطة أوسع لإعادة هيكلة النقل الداخلي، بعد رصد مخالفات شملت تغيير المسارات، وتقاضي أجور أعلى من التعرفة الرسمية، وتشغيل مركبات غير نظامية.
ويقول عضو المكتب التنفيذي في المحافظة يوسف واكي إن القرار جاء بعد دراسة وجولات ميدانية، مشيراً إلى أن الهدف هو ضبط النقل وتأمين خدمة أكثر انتظاماً، مع تحويل السرافيس النظامية إلى خطوط أخرى.
لكن الفارق بين أهداف القرار ونتائجه الأولية يظهر حجم التحدي أمام الجهات المشرفة، إذ لا يكفي تغيير وسيلة النقل لمعالجة أزمة متراكمة، في ظل أسطول محدود وحاجة متزايدة لخدمة يومية يعتمد عليها آلاف المواطنين.
ويشير مدير الشركة العامة للنقل الداخلي في حلب عبد الحميد أمين إلى أن نحو 400 سرفيس كانت تعمل على الخط، بينها 52 فقط تحمل صفة نظامية، مؤكداً أن الحافلات أصبحت الوسيلة المعتمدة على المسار بعد إزالة المخالفات.
بين إصلاح النقل وعبء الانتظار
تكشف تجربة الدائري الشمالي أن أزمة النقل في حلب لا ترتبط فقط بمخالفات السائقين أو الفوضى التشغيلية، بل تمتد إلى سنوات من ضعف التخطيط وتراجع الاستثمار في قطاع النقل العام.
فأي إصلاح حقيقي يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل زيادة عدد الحافلات، وتحسين المواقف، وضبط مواعيد الرحلات، وتوفير وسائل نقل تراعي حجم المدينة وكثافتها السكانية.
وبينما ترى الحكومة السورية الانتقالية في إعادة تنظيم الخط خطوة أولى نحو إصلاح شبكة النقل، يبقى الحكم النهائي بيد الميدان؛ حيث يقيس المواطن نجاح أي خطة بعدد الدقائق التي يوفرها، ودرجة الراحة التي يحصل عليها، لا بعدد القرارات التي تصدر.
وتبقى تجربة الدائري الشمالي مؤشراً مبكراً على أن معالجة أزمة النقل في حلب تحتاج إلى أكثر من إعادة توزيع الخطوط، بل إلى مشروع طويل الأمد يعيد بناء قطاع أنهكته سنوات الإهمال وتراجع الخدمات.
اقرأ أيضاً: غياب النقل العام يشلّ حركة الموظفين في ريف حلب