تقرير: أزمة المؤسسات والغموض السياسي يعرقلان إعادة إعمار سوريا
أفاد تقرير نشره موقع “ذا ميديا لاين” الأمريكي بنشوء اهتمام متجدد من قبل المستثمرين الإقليميين والدوليين الباحثين عن فرص استثمارية في سوريا لإعادة الإعمار ضمن قطاعات الطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والعقارات والخدمات الرقمية وذلك بعد أكثر من عقد من الحرب والعقوبات والانهيار الاقتصادي
ورغم أن الدمار الواسع خلق ما يصفه محللون ومستثمرون بالفرصة النادرة لبلد يحتاج إلى إعادة بناء شبه كاملة لشبكات الكهرباء والطرق والجسور والموانئ والمطارات والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه وصولاً إلى الإسكان والاتصالات والأنظمة المصرفية فإن سوريا لا تزال تصنف كواحدة من أكثر أسواق المنطقة خطورة بسبب عدم الاستقرار السياسي ومخاوف العقوبات وهشاشة المؤسسات والأنظمة المالية
وفي هذا السياق يرى المحلل والباحث في الشؤون السورية مصطفى النعيمي أن مرحلة ما بعد الحرب لن تُحسم بالسياسة أو القوة العسكرية فحسب بل بالعوامل الاقتصادية أيضاً مبيناً أن إعادة بناء بلد بحجم سوريا تعني عقوداً بمليارات الدولارات ونفوذاً طويل الأمد على القطاعات الاستراتيجية
وتشير المعطيات الحالية إلى منافسة مبكرة بين فاعلين إقليميين ودوليين لتعزيز نفوذهم في اقتصاد البلاد المستقبلي قبل اتضاح معالم المشهد بشكل كامل
الكهرباء والعقارات والنفط.. محاور جذب تعوقها التعقيدات
تأتي أزمة الكهرباء والنقص المزمن في الطاقة نتيجة تضرر محطات التوليد وشبكات النقل كأبرز محاور اهتمام المستثمرين
وأكد رجل الأعمال السوري السعودي نبيل المظلوم أن هذا العجز الكبير خلق طلباً ضخماً على الاستثمار في توليد الطاقة والطاقة الشمسية والمتجددة وتحديث شبكات النقل لكون الكهرباء عصب تشغيل المصانع والأنشطة التجارية والخدمات الأساسية
كما يبرز قطاعا العقارات والبناء كركيزتين أساسيتين نظراً لحاجة مناطق واسعة في حلب وحمص وريف دمشق لإعادة بناء الأحياء السكنية والمرافق العامة وسط توقعات بزيادة الطلب مع عودة اللاجئين والنازحين مستقبلاً غير أن التقرير يلفت إلى أن هذه الفرص تتقاطع مع نزاعات عقارية معقدة وحقوق اللاجئين وسجلات ملكية الأراضي والامتثال للعقوبات والفساد والتفتت الجغرافي
أما قطاع النفط والغاز فرغم حاجته لإعادة تأهيل واسعة وموقع سوريا الإقليمي الهام فإن الاستثمار فيه يظل معقداً سياسياً وقانونياً جراء العقوبات الأمريكية المفروضة وتقسيم السيطرة على الأراضي وتداخل المصالح المحلية والأجنبية مما يصعب دخول الشركات الدولية الكبرى
بدائل رقمية وعقبات مصرفية وإدارية تحجم المستثمرين
في مقابل المخاطر المادية يرى مستثمرون أن قطاعي التكنولوجيا والخدمات الرقمية يعدان أقل عرضة للمخاطر السياسية مستفيدين من وجود شريحة سكانية شابة كبيرة وتزايد استخدام الهواتف الذكية والطلب على التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية والاتصالات وهي مجالات مرشحة لنمو سريع في حال تحسن الأنظمة المصرفية والتنظيمية
ومن الناحية الرسمية أقر رئيس قسم دعم المستثمرين في إدارة شؤون المغتربين بوزارة الخارجية السورية عادل الشمري في تصريح لموقع “ذا ميديا لاين” بأن العقوبات والقيود المصرفية وصعوبات التحويلات المالية لا تزال تشكل عقبات رئيسية أمام الشركات ورجال الأعمال
وفي المقابل يرى رجل الأعمال اللبناني رؤوف أبو زكي العامل في قطاعي الطاقة والتطوير العقاري أن سوريا تمثل إحدى أهم فرص الاستثمار طويلة الأجل في المنطقة
معتبراً أن من ينتظر الاستقرار الكامل سيدخل متأخراً جداً وأن انخفاض تكاليف التشغيل وأسعار العقارات يوفر نقطة دخول أرخص مقارنة بالأسواق العربية المتطورة
وكشف أبو زكي أن رجال أعمال خليجيين بدأوا بدراسة مشاريع محتملة في الطاقة الشمسية والعقارات والصناعات الخفيفة واللوجستية رغم حذرهم من عقبات التمويل والغموض القانوني.
تفاؤل حذر وسلطة تبحث عن الشرعية عبر الإعمار
من جهته اعتبر رجل أعمال سوري مطلع على السوق أن التفاؤل المتزايد لا يعكس الواقع الحقيقي تماماً موضحاً أن المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود الفرص بل في قدرة المستثمرين على العمل في بيئة إدارية واضحة وموثوقة
وأشار إلى البيروقراطية وبطء الإجراءات وضعف البنية التحتية المصرفية والغموض القانوني كأبرز المخاوف التي تدفع رجال الأعمال العرب للتريث بانتظار وضوح الرؤية
وخلص تقرير “ذا ميديا لاين” إلى أن هذا الحذر يبقى جوهرياً لكون سوق إعادة الإعمار السورية محفوفة بأشد المخاطر في المنطقة جراء محدودية التمويل وضعف الحوكمة وانعدام الأمن لتقف البلاد حالياً بين واقعين هما الانهيار المؤسسي والمخاطر السياسية من جهة وجاذبية السوق المحتملة من جهة أخرى
وختم التقرير بتأكيد أن الفرصة والوعود تحيط بها المخاطر شديدة التأثير مشدداً على أن إعادة الإعمار في سوريا لن تقتصر على توقيع العقود ورؤوس الأموال فحسب بل ستمتد لتشمل صراع السلطة والشرعية وتحديد من يملك زمام الأمور في البلاد بعد سنوات الطحن والدمار
اقرأ أيضاً:الاستثمارات الإماراتية في سوريا: طموحات جيوسياسية ونفوذ اقتصادي متصاعد
اقرأ أيضاً:تغلغل اقتصادي أم شراكة استراتيجية؟ كشف تفاصيل الاتفاقية السرية للاتصالات بين سوريا وتركيا