الاستثمارات الإماراتية في سوريا: طموحات جيوسياسية ونفوذ اقتصادي متصاعد
كشف تقرير لمجلة “فورين بوليسي” الأميركية عن تحركات إماراتية متسارعة لزيادة حجم استثماراتها في سوريا. وتأتي هذه الخطوات في إطار استراتيجية أبوظبي لتوسيع نفوذها في دمشق، وحجز مقعد قيادي في صياغة التوجهات الإقليمية والاقتصادية لسوريا المستقبل، وسط تنافس محتدم بين القوى الإقليمية على ملف إعادة الإعمار.
تحولات الموقف الإماراتي من الملف السوري: مرونة وتكيف
اتسم الدور الإماراتي في سوريا بالمرونة العالية والقدرة على التكيف مقارنة ببقية دول مجلس التعاون الخليجي منذ عام 2011:
-
البدايات والمقاطعة: طالبت أبوظبي في بداية الأزمة برحيل النظام السوري ودعمت المعارضة.
-
التقارب الحذر وإعادة الدمج: تباينت الرؤية الإماراتية لاحقاً مع قطر والسعودية بشأن البديل، لتؤيد التدخل الروسي تحت لافتة مكافحة الإرهاب، وتقود لاحقاً الجهود الدبلوماسية لإعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية.
-
حقبة ما بعد الأسد: تعاملت الإمارات بحذر أولي مع السلطة الانتقالية الجديدة في دمشق، لكنها سرعان ما تحولت نحو تقديم الدعم الدبلوماسي والاقتصادي الكامل، مستغلة المرحلة الانتقالية (المقدرة بـ 3 إلى 5 سنوات) لتثبيت أقدامها.
لغة الأرقام: مليارات إماراتية في دمشق والساحل السوري
تُرجمت الطموحات السياسية الإماراتية إلى مشاريع ضخمة على الأرض، تمثل أبرزها في:
| الجهة الاستثمارية الإماراتية | حجم الاستثمار المتوقع | نطاق المشروع المستهدف |
| مجموعة إعمار العقارية | 11 مليار دولار | مشاريع تطويرية في دمشق ومحيطها |
| مجموعة إعمار العقارية | 7 مليارات دولار | مشاريع سياحية وتطويرية على الساحل السوري |
| موانئ دبي العالمية (DP World) | 800 مليون دولار | توسيع الطاقة الاستيعابية لميناء طرطوس الاستراتيجي |
الأبعاد الجيوسياسية للاستراتيجية الإماراتية في سوريا
وبحسب تقرير مجلة “فورين بوليسي”، لا تقتصر الدوافع الإماراتية على العوائد المالية الفورية، بل تتعداها إلى أهداف استراتيجية بعيدة المدى:
1. البحث عن ممرات لوجستية بديلة (تجاوز مضيق هرمز)
برزت الأهمية الاستراتيجية للموانئ السورية (مثل طرطوس وبانياس) كإجراء تحوطي ضد المخاطر البحرية في الخليج العربي ونقاط الضعف في مضيق هرمز. وتسعى الإمارات لدمج سوريا في شبكتها اللوجستية والبحرية الممتدة عبر الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، مستغلة بدء العراق في استخدام البنية التحتية السورية لتصدير نفطه نحو أوروبا.
2. تكرار “النموذج المصري” في دمشق
ترى أبوظبي في تجربتها الاستثمارية في مصر (حيث استثمرت “إعمار” أكثر من 18 مليار دولار وحققت عوائد ملايين الدولارات في عامي 2024 و2025) نموذجاً ناجحاً للتوظيف الاستراتيجي لرأس المال، كأداة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والضغط السياسي طويل الأمد في الدول التي تعاني من أزمات مالية.
3. التنافس الاقتصادي المحتدم مع السعودية وتركيا
يمثل السباق نحو الهيمنة الإقليمية محركاً رئيسياً للتحرك الإماراتي. وفي حين تمتلك تركيا والسعودية نفوذاً سياسياً، إلا أنهما تواجهان عوائق؛ فتركيا تكبلها أزماتها الاقتصادية، والتعهدات المالية السعودية لم تترجم بالكامل بعد. هذا الفراغ سمح لـ”السيولة الإماراتية” بالتدخل للسيطرة على المعابر البرية الحيوية (مثل معبر درعا مع الأردن) والموانئ التي يعتمد عليها نجاح “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”.
الإمارات كوسيط أمني وسياسي بين سوريا و”إسرائيل”
تواجه الطموحات الإماراتية عائقاً هيكلياً يتمثل في التوترات العسكرية والأمنية في جنوب سوريا، وفقاً، لمجلة “فورين بوليسي”. ومع ذلك، قد تفتح هذه العقبة دوراً دبلوماسياً استثنائياً لأبوظبي:
-
التأمين السياسي لدمشق: قد تنظر السلطة الانتقالية في سوريا للاستثمارات الإماراتية كخط دفاع دبلوماسي يرفع تكلفة أي تصعيد إسرائيلي محمل لزعزعة الاستقرار.
-
الوساطة الدبلوماسية: بصفتها الشريك الإقليمي الأبرز لـ “إسرائيل”، يمكن للإمارات (بالتنسيق مع واشنطن) تسهيل المفاوضات المتعثرة بشأن الترتيبات الأمنية الجديدة في الجنوب السوري.
-
المصلحة الإسرائيلية: قد يفضل صناع القرار في “تل أبيب” تمدد النفوذ الإماراتي الاقتصادي في سوريا كبديل للتوسع التركي، خاصة بعد تراجع شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة.
خلاصة:
على الرغم من أن نجاح استراتيجية أبوظبي يظل رهيناً بملفات معقدة خارجة عن سيطرتها (مثل الاستقرار الداخلي الهش في سوريا، والمنافسة التركية السعودية)، إلا أن الإمارات تدخل هذه الساحة متسلحة بميزتين تنافسيتين: السيولة المالية الضخمة، وشبكة العلاقات الدبلوماسية المرنة مع كافة الأطراف الدولية والإقليمية بما فيها “إسرائيل”؛ مما يؤهلها لتوسيع نفوذها الجيوسياسي تدريجياً وبثبات.
إقرأ أيضاً: مأدبة الوفد الإماراتي بالجامع الأموي تثير الجدل.. وإدارة المسجد ترد
إقرأ أيضاً: الأخبار: مخطط إسرائيلي لتقسيم الساحل السوري