الدولار بـ15 ألفاً والتجار يسعرون بـ 20 ألفاً.. فوضى التسعير تكشف أزمة الثقة بالليرة السورية
لا يحتاج الدولار في السوق السورية إلى بلوغ 20 ألف ليرة حتى يدفع أسعار بعض السلع إلى هذا المستوى؛ يكفي أن يتوقع التجار ارتفاعه مجدداً، لتُسعّر البضائع على أساس سعر افتراضي يتجاوز السعر المتداول بآلاف الليرات. وبينما يدور الدولار عند مستويات تتراوح بين 14 و15 ألف ليرة سورية، يرفع تجار أسعار بعض السلع على أساس 18 ألفاً، فيما يصل السعر المعتمد إلى 20 ألفاً في مواد البناء وقطع غيار السيارات، لتتحول المخاوف من تقلبات الصرف إلى أعباء يدفعها المستهلك مسبقاً.
وتكشف هذه المفارقة أزمة تتجاوز حركة الدولار اليومية إلى اهتزاز الثقة بالليرة، في سوق تتقدم فيها التوقعات على الأسعار الفعلية، بينما يفتقر المواطن إلى أي ضمانة بأن انخفاض سعر الصرف سينعكس على كلفة معيشته.
أسعار ترتفع بالتوقعات ولا تتراجع بانخفاض الدولار
يقول المحلل المالي عبد الحميد قتلان إن تذبذب سعر الصرف، بالتزامن مع غياب سياسة نقدية واضحة، يدفع التجار إلى تسعير البضائع بالدولار، حتى المنتجات المحلية، تحسباً للخسائر المحتملة.
ويعني هذا السلوك أن المستهلك يتحمل كلفة الدولار المرتفع حتى عندما لا يكون هذا الارتفاع قد تحقق فعلياً. والأسوأ أن انخفاض سعر الصرف لا يضمن تراجع الأسعار، إذ يتمسك التجار بمستويات التسعير المرتفعة خشية عودة الدولار إلى الصعود، فتتحول المخاوف إلى زيادة فعلية في كلفة السلع، من دون آلية واضحة تعيد الأسعار إلى مستويات تتناسب مع المتغيرات النقدية.
وفي ظل هذه المعادلة، تصبح الليرة وحدة حساب متراجعة الثقة، فيما يدفع المواطن ثمن التوقعات والمخاطر التي يحمّلها التجار لأسعار منتجاتهم.
سياسة نقدية غائبة وسوق رهينة الكاش
يربط قتلان هشاشة السوق بالإقبال على شراء الدولار ونقص المعروض منه، محذراً من أن أي زيادة في الطلب قد تدفع سعر الصرف إلى الارتفاع وتفاقم الضغوط التضخمية.
كما يدعو إلى تعزيز الشفافية في سياسات مصرف سوريا المركزي، ووضع سياسة نقدية واضحة، وتفعيل دور المصارف المحلية في الدورة النقدية، بدلاً من استمرار التعاملات خارج القنوات المصرفية.
وتضع هذه المؤشرات السياسة النقدية أمام اختبار يتجاوز إعلان الأسعار ومراقبة حركة الصرف: كيف يمكن استعادة الثقة بعملة تُسعّر السلع على أساس سعر أعلى من قيمتها المتداولة، فيما لا يملك المستهلك وسيلة تضمن انتقال أي تحسن نقدي إلى السوق؟
إن استمرار هذه الفجوة يترك الأسعار رهينة توقعات التجار ومخاوفهم، ويضاعف كلفة ضعف التخطيط النقدي على الأسر. وفي غياب استقرار فعلي وآليات رقابة ومساءلة قابلة للتطبيق، قد يتراجع الدولار على الشاشات، بينما تبقى الأسعار معلقة عند مستويات أعلى، ويواصل المواطن دفع فاتورة أزمة لا يملك أدوات التحكم بها.
اقرأ أيضاً: ارتفاع الدولار في سوريا: أسباب تراجع الليرة السورية وتوقعات سعر الصرف