قمح القنيطرة عالق بين الحقول والكسوة.. غياب مراكز الاستلام يرهق المزارعين ويكشف ضعف التخطيط الحكومي
في القنيطرة، لا تنتهي رحلة القمح عند الحصاد. فبعد أشهر من انتظار المزارعين للموسم، تبدأ معركة أخرى أكثر تعقيداً: كيف ينقلون محصولهم إلى مراكز الاستلام؟ وكيف يحافظون على هامش ربح لا تلتهمه تكاليف النقل والإجراءات؟
يحافظ القمح على موقعه كأهم محصول استراتيجي في المحافظة الجنوبية، ويشكل مصدر دخل رئيسياً لمئات الأسر، إلا أن فرحة الإنتاج الجيد تصطدم كل عام بعقبة مزمنة تتمثل في غياب مركز معتمد لاستلام القمح داخل القنيطرة، ما يدفع المزارعين إلى نقل إنتاجهم إلى مركز الكسوة في ريف دمشق، في رحلة تزيد الأعباء وتقلل العائد الاقتصادي.
ورغم الحديث الرسمي عن دعم الإنتاج الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي، تكشف مشكلة تسويق القمح في القنيطرة فجوة واضحة بين الخطط المعلنة والواقع الميداني، إذ يجد المزارع نفسه مضطراً لتحمل كلفة إضافية بسبب غياب بنية أساسية كان من المفترض أن تكون جزءاً من إدارة الموسم الزراعي.
موسم إنتاج جيد.. وعائدات مهددة
تشير بيانات مديرية زراعة القنيطرة إلى استمرار النشاط الزراعي خلال موسم 2025-2026، إذ بلغت مساحة القمح المروي المزروعة 687 هكتاراً، فيما وصلت مساحة القمح البعل إلى 2177 هكتاراً، وبلغت كمية القمح المسلّمة إلى مراكز الاستلام 3844 طناً.
لكن هذه الأرقام لا تعكس وحدها واقع المزارعين، الذين يرون أن المشكلة لم تعد في الإنتاج، بل في الطريق الذي يسلكه المحصول بعد خروجه من الأرض.
يقول المزارع سامر أبو تيم إن الموسم واجه صعوبات كبيرة بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة والمحروقات وتكاليف الزراعة، مضيفاً أن غياب مركز استلام داخل المحافظة زاد من الأعباء، وأثر في قدرة المزارعين على تحقيق مردود يغطي التكاليف المرتفعة.
فالمزارع الذي تحمل أعباء الموسم كاملاً، يجد نفسه أمام خيارين صعبين: دفع تكاليف نقل المحصول إلى خارج المحافظة، أو بيعه للتجار الذين يستفيدون من صعوبة الوصول إلى مراكز الاستلام الرسمية.
قرار إداري يحمّل المزارعين كلفة إضافية
يربط رئيس اتحاد الفلاحين في القنيطرة عبد الرحمن خلف عدم افتتاح مراكز استلام في السويسة وخان أرنبة بقرار المؤسسة العامة للحبوب، التي اعتمدت مركز الكسوة لاستلام إنتاج المحافظة، مبررة ذلك بأسباب أمنية وارتفاع تكاليف تشغيل المراكز المحلية.
لكن هذه المبررات لا تقنع كثيراً من المزارعين، خصوصاً أن المحافظة تؤكد أن مراكز كانت تستقبل القمح سابقاً، وأن المواقع المقترحة لإعادة تشغيلها تقع ضمن مناطق آمنة.
ويشير خلف إلى أن بدل النقل الذي قدمته المؤسسة، والبالغ نحو 7 آلاف ليرة سورية عن كل طن، لا يغطي الكلفة الفعلية للنقل، ولا يقدم حلاً حقيقياً لصغار المزارعين الذين ينتجون كميات محدودة.
كما أن تجميع محاصيل عدة مزارعين في شحنة واحدة لتقليل النفقات قد يسبب مشكلات إضافية عند تقييم الجودة، إذ تعتمد مراكز الاستلام على عينات مشتركة قد لا تعكس اختلاف جودة كل محصول.
المزارع يدفع ثمن غياب البنية الزراعية
لا تتوقف تداعيات غياب مركز الاستلام عند ارتفاع كلفة النقل، بل تمتد إلى السوق نفسها، حيث يزداد اعتماد بعض المزارعين على التجار الذين يشترون المحصول بأسعار أقل مستفيدين من صعوبة وصول المنتجين إلى المراكز الرسمية.
ويرى اتحاد الفلاحين أن الحل لا يكمن في تعويضات مؤقتة، بل في إنشاء مركز دائم لاستلام القمح وصومعة تخزين داخل المحافظة، بما يخفف تكاليف النقل ويحمي المزارع من ضغط السوق.
من جهته، يوضح عضو المكتب التنفيذي لقطاع الزراعة في القنيطرة بهاء الرهبان أن المحافظة تقدمت بطلبات لإعادة افتتاح مراكز استلام القمح، إلا أن الرد الحكومي جاء بالرفض بحجة عدم الأمان، رغم أن الجهات المحلية تؤكد إمكانية تشغيل هذه المراكز ضمن مواقع مؤهلة.
في النهاية، يبقى قمح القنيطرة حاضراً في الحقول وغائباً في منظومة التسويق. فالمشكلة لم تعد في قدرة المزارع على الإنتاج، بل في غياب السياسات التي تحمي هذا الإنتاج بعد خروجه من الأرض. وبينما تتحدث الحكومة السورية الانتقالية عن دعم الزراعة وتعزيز الأمن الغذائي، ما يزال المزارع في القنيطرة يدفع ثمن نقص التخطيط وضعف الخدمات، من محصوله وجيبه معاً.
اقرأ أيضاً: عودة صوامع نوى لا تنهي معاناة القمح في درعا… أعطال متكررة وطوابير انتظار تربك موسم الحصاد