أزمة الوقود المحتملة في سوريا.. مخاطر خارجية تكشف تحديات داخلية في قطاع الطاقة
مع تصاعد التوترات في أسواق الطاقة العالمية، وعودة المخاوف من تأثير أي اضطراب في حركة إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، تتزايد التساؤلات حول قدرة الدول ذات البنية الهشة على مواجهة موجات ارتفاع الأسعار أو نقص الإمدادات، وتبرز سوريا ضمن الدول الأكثر حساسية لأي تغيرات في سوق الطاقة، ليس بسبب اعتمادها المباشر على نفط الخليج، وإنما نتيجة تراكم تحديات داخلية مرتبطة بالإنتاج والتخزين والتمويل وإدارة القطاع.
ورغم أن أي اضطراب في الملاحة الدولية قد يرفع أسعار النفط عالمياً ويزيد تكاليف النقل والتأمين، يرى اقتصاديون أن الخطر الأكبر بالنسبة لسوريا لا يكمن فقط في العوامل الخارجية، بل في هشاشة منظومة الطاقة المحلية، وضعف القدرة على امتصاص الصدمات، ومحدودية الخيارات المتاحة لتأمين الوقود.
هرمز ليس السبب الوحيد
يرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن اختزال أي أزمة وقود محتملة في سوريا بتطورات مضيق هرمز وحدها لا يعكس كامل الصورة، مشيراً إلى أن دمشق لم تكن تعتمد بشكل أساسي على النفط القادم من دول الخليج، باستثناء بعض الشحنات والمنح التي وصلت خلال الفترة الماضية، ومنها منحة سعودية قدرت بنحو 1.5 مليون برميل.
وأوضح أن تأثير أي أزمة في المضيق سيكون بصورة غير مباشرة، من خلال ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما يرفع فاتورة استيراد المشتقات النفطية بالنسبة لاقتصاد يعاني من محدودية الموارد بالعملات الأجنبية.
وتشير تحذيرات دولية إلى أن أي تعطيل طويل الأمد لحركة الملاحة في مضيق هرمز يمكن أن يسبب اضطرابات واسعة في أسواق النفط العالمية، حتى مع وجود محاولات لاستخدام الاحتياطات الاستراتيجية لتخفيف أثر الصدمة.
لكن بالنسبة لسوريا، يرى مراقبون أن المشكلة لا تبدأ من الخارج، بل من واقع قطاع الطاقة نفسه، الذي يعاني منذ سنوات من اختلالات بنيوية.
غياب استراتيجية مستقرة للطاقة
يعتقد الكريم أن المرحلة الانتقالية شهدت صعوبة في بناء منظومة علاقات اقتصادية مستقرة تؤمن مصادر طويلة الأمد للطاقة، موضحاً أن سوريا فقدت جزءاً من الترتيبات التي كانت توفرها علاقاتها السابقة مع روسيا في مجال الإمدادات والدعم اللوجستي، دون أن تنجح حتى الآن في إيجاد بدائل مستدامة.
كما يشير إلى أن الفرص المتاحة لإقامة شراكات جديدة في مجالات الطاقة لم تتحول إلى اتفاقات طويلة الأمد، ما أدى إلى استمرار الاعتماد على حلول مؤقتة بدلاً من بناء سياسة واضحة لأمن الطاقة.
ويضيف أن أحد أبرز التحديات يتمثل في ضعف الشفافية حول إدارة قطاع النفط، رغم عودة أجزاء واسعة من حقول الجزيرة السورية إلى إشراف وزارة الطاقة.
ويشير إلى عدم وجود بيانات رسمية دقيقة حول حجم الإنتاج الحالي، أو آليات إدارة وتسويق النفط الخام، الأمر الذي يفتح المجال أمام تقديرات متعددة حول حجم الإنتاج الفعلي واستخدام العائدات.
وبحسب تقديرات غير رسمية، فإن تشغيل الحقول بكامل طاقتها بعد إعادة تأهيلها قد يسمح بالاقتراب من تغطية الاستهلاك المحلي، الذي يقدر بنحو 200 ألف برميل يومياً، إلا أن تحقيق ذلك يحتاج إلى استثمارات وبنية تشغيلية مستقرة.
محدودية البدائل وارتفاع كلفة الاستيراد
في حال حدوث نقص في الإمدادات، تبدو الخيارات المتاحة أمام سوريا محدودة.
ويشير الكريم إلى أن خط الإمداد البري القادم من العراق يمثل أحد الخيارات المهمة، لكنه لا يوفر بالضرورة نفطاً بأسعار تفضيلية، كما أن النقل البري يرفع التكاليف مقارنة بالنقل عبر الأنابيب أو الموانئ.
ويرى أن الاعتماد على النقل بالصهاريج يضيف أعباء جديدة مرتبطة بالتشغيل والصيانة والمخاطر الأمنية، ما يجعل منظومة التوزيع أكثر هشاشة عند حدوث أي اضطراب.
كما أن المشكلة لا ترتبط فقط بتأمين النفط الخام، بل بقدرة الدولة على تخزين كميات كافية منه لتشكيل احتياطي استراتيجي.
أزمة التخزين.. الحلقة الأضعف
يعتبر الكريم أن ضعف القدرة التخزينية يمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في منظومة الطاقة السورية.
وأوضح أن جزءاً من خزانات بانياس جرى تخصيصه لاستقبال النفط القادم عبر الخط البري العراقي، الذي تتراوح طاقته الحالية بين 50 و75 ألف برميل يومياً، في حين لا تزال منشآت تخزين أخرى خارج الخدمة بسبب أعمال إعادة التأهيل.
ويشير إلى أن هذه المنشآت كانت قبل عام 2024 تستقبل ناقلات نفط كبيرة تصل حمولتها إلى نحو 800 ألف برميل، سواء من شحنات إيرانية أو مصادر دعم أخرى، ما يعني أن القدرة الحالية على التخزين أقل بكثير من الاحتياجات المحتملة في حال حدوث انقطاع مفاجئ.
ويرى أن وجود مخزون استراتيجي يعد عنصراً أساسياً لأي دولة تعتمد جزئياً على الاستيراد، لأنه يمنحها قدرة على التعامل مع الأزمات المؤقتة في الأسواق العالمية، وهو ما لا يبدو متوفراً بالمستوى الكافي في الحالة السورية.
خط كركوك–بانياس.. فرصة مستقبلية لا حل سريع
في ظل البحث عن بدائل لمسارات النفط التقليدية، عاد الحديث عن مشروع إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك–بانياس، باعتباره ممراً يمكن أن يمنح العراق منفذاً على البحر المتوسط، ويوفر لسوريا دوراً في عمليات النقل والتكرير.
ويحظى المشروع باهتمام إقليمي ودولي، لكنه لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالتمويل والأوضاع الأمنية والحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية.
ويرى الكريم أن المشروع يمكن أن يشكل حلاً استراتيجياً على المدى الطويل، لكنه لا يستطيع معالجة أي أزمة طارئة في المدى القريب.
بين نقص التمويل وضعف البنية التحتية
بحسب الكريم، فإن التحدي الأكبر أمام سوريا يتمثل في عاملين رئيسيين؛ الأول هو محدودية الموارد المالية اللازمة لاستيراد المشتقات النفطية في حال ارتفاع الأسعار العالمية، والثاني هو ضعف القدرة على التخزين وتأمين احتياطي قادر على مواجهة الانقطاعات.
ويشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً لا يعني فقط دفع مبالغ أكبر لشراء الخام، بل يرفع أيضاً تكاليف النقل والتأمين والخدمات المرتبطة بالاستيراد.
كما يوضح أن الاعتماد على مستودعات صغيرة موزعة في المحافظات أو منشآت غير مهيأة بالكامل لا يمثل بديلاً فعالاً، بسبب صعوبات النقل والتوزيع وارتفاع الكلفة التشغيلية.
أمن الطاقة أمام اختبار المرحلة المقبلة
يرى الباحث الاقتصادي أن تجاوز مخاطر أزمة وقود جديدة يتطلب أكثر من تأمين شحنات نفط مؤقتة، إذ يحتاج إلى استراتيجية متكاملة تشمل تنويع مصادر الاستيراد، وزيادة الشفافية في إدارة الإنتاج المحلي، وتسريع إعادة تأهيل منشآت التخزين والتكرير.
وفي حال استمرار نقاط الضعف الحالية بالتزامن مع اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، فإن انعكاسات أي أزمة محتملة قد لا تقتصر على قطاع المحروقات، بل تمتد إلى النقل والإنتاج وأسعار السلع ومستوى المعيشة.
في المقابل، فإن نجاح مشاريع الربط النفطي مع العراق، وإعادة تأهيل خط كركوك–بانياس، إلى جانب تطوير الإنتاج المحلي، قد يمنح سوريا هامشاً أكبر من الاستقرار مستقبلاً، لكنه يبقى مرتبطاً بقدرة المؤسسات على بناء منظومة طاقة أكثر مرونة واستدامة.
اقرأ أيضاً:عبر مرفأ بانياس.. سوريا تعيد تصدير 2.1 مليون طن من زيت الوقود العراقي لأوروبا