معاصر الزيتون في طرطوس أمام شروط جديدة.. موسم وفير يصطدم بتعقيدات الترخيص
يصل موسم الزيتون في طرطوس هذا العام محمّلاً بمحصول استثنائي، لكن الطريق من الشجرة إلى المعصرة لا يبدو بالسهولة التي توحي بها أرقام الإنتاج. فالمحافظة تتوقع نحو 127 ألف طن من الزيتون، بعد موسم لم يتجاوز فيه الإنتاج 10 آلاف طن، بينما يجد أصحاب المعاصر والمزارعون أنفسهم أمام حزمة من الشروط التنظيمية والصحية والبيئية ومواعيد تشغيل لا تنسجم، وفق اعتراضاتهم، مع خصوصية الساحل وتفاوت مواعيد نضج الأصناف.
المشكلة لا تتعلق بالرقابة من حيث المبدأ، فسلامة الزيت والتخلص من مخلفات العصر مطالب أساسية، وإنما في كيفية تطبيقها على قطاع موسمي يضم 248 معصرة، ويعتمد على عمالة مؤقتة ويعمل خلال فترة محدودة من العام. وبينما تطرح الجهات الرسمية تعليمات موحدة، يرى أصحاب المعاصر أن بعض المتطلبات تفرض كلفاً لا تتناسب مع طبيعة نشاطهم، فيما يخشى المزارعون أن يؤدي تأخير تشغيل المعاصر إلى خسارة جزء من محصولهم.
شروط جديدة تسبق بدء الموسم
يقول أصحاب معاصر في طرطوس إن فرقاً من الجهات المختصة بدأت بجولات على المنشآت لإبلاغهم بالشروط الجديدة، وسط تحذيرات من مخالفات قد تصل إلى إيقاف المعصرة عند عدم الالتزام.
ومن بين المتطلبات التي أثارت اعتراضاتهم الفحوص الأسبوعية للمياه المستخدمة في العصر، والفحوص الصحية الدورية للعاملين الموسميين، واستخدام خزانات من الستانلس ستيل، إضافة إلى تجهيز مواقع جمع مخلفات العصر والتقيد بالشروط البيئية الخاصة بمياه الجفت.
ويقول أصحاب المعاصر إن جزءاً من هذه الاشتراطات لا يراعي طبيعة عملهم، خصوصاً أن معظم المنشآت لا تعمل طوال العام، وأن صاحب المعصرة قد يتولى بنفسه تشغيل الآلات، فيما تأتي العمالة الإضافية مع بداية الموسم وتنتهي بانتهائه.
كما يعترضون على إلزامهم بخزانات مرتفعة الكلفة، في وقت يعمل فيه كثير منهم أساساً كخدمي عصر للمزارعين ولا يخزن الزيت لحسابه الخاص.
موعد واحد لا يناسب كل الزيتون
تزداد المشكلة تعقيداً عند تحديد موعد بدء العصر. فالساحل لا ينتج صنفاً واحداً، كما أن ظروفه المناخية تختلف عن مناطق الزيتون الداخلية.
ويشير مزارعون إلى أن بعض الأصناف، ومنها “التمراني”، تبدأ بالنضج والتساقط في وقت مبكر، ما يدفع أصحاب الحقول إلى جمع الثمار المتساقطة وعصرها قبل تعرضها للتلف. ويرى الخبير الزراعي صلاح عيسى أن اعتماد موعد موحد لمختلف مناطق الإنتاج يتجاهل الفروق المناخية والزراعية، ولا سيما في المناطق الجبلية التي تتأثر سريعاً بالأمطار.
وتؤكد مديرية زراعة طرطوس وجود نحو 11 مليون شجرة زيتون، بينها 10 ملايين مثمرة، على مساحة تقارب 75 ألف هكتار، فيما تتركز المعاصر بصورة رئيسية في صافيتا ثم طرطوس وبانياس.
محصول تضاعف.. والبنية نفسها
الزيادة الكبيرة في الإنتاج تجعل مشكلة التنظيم أكثر إلحاحاً. فقد قدرت مديرية الزراعة إنتاج طرطوس بنحو 127 ألف طن، مقارنة بـ10 آلاف طن العام الماضي، نتيجة تحسن الظروف الجوية وبرامج مكافحة الآفات. وعلى مستوى سوريا، تقدر وزارة الزراعة الإنتاج الأولي للموسم الحالي بنحو 954.7 ألف طن، يذهب نحو 80% منه إلى العصر، مع توقع إنتاج قرابة 191 ألف طن من زيت الزيتون.
لكن ارتفاع الإنتاج لا يعني تلقائياً أن منظومة العصر والتسويق قادرة على استيعابه. فالموسم الاستثنائي يرفع الضغط على المعاصر والعمالة والنقل والتسويق، بينما ما تزال التعليمات الحكومية تتقدم أحياناً بصيغة إجرائية أكثر من كونها جزءاً من خطة متكاملة لإدارة الموسم.
الرقابة البيئية ضرورة.. لكن المعالجة غائبة
تقول وزارة الزراعة إن تنظيم عمل المعاصر يهدف إلى تحسين جودة الزيت وسلامته وحماية البيئة، وقد فعّلت المواصفة السورية الخاصة بإنشاء وتشغيل وإدارة المعاصر، إلى جانب آليات الرقابة والتدريب والتعامل مع مياه الجفت.
لكن هذا الجانب يكشف بدوره فجوة أخرى. فقد شهدت طرطوس خلال مواسم سابقة إغلاق معاصر بسبب مخالفات مرتبطة بالتصريف العشوائي لمياه الجفت، مع تسجيل حالات تلوث لمصادر مياه الشرب.
وهنا لا تكفي المخالفة والإغلاق بعد وقوع الضرر. فالمشكلة تحتاج إلى بنية معالجة قادرة على استيعاب مخلفات موسم كبير، وإلى رقابة تمنع التلوث قبل وصوله إلى الآبار والينابيع، لا إلى إجراءات تبدأ بعد ظهور آثاره.
المزارع أمام كلفة موسم كامل
حتى إذا تجاوزت المعاصر أزمة الشروط والمواعيد، يبقى المزارع أمام مشكلة التسويق. فتكاليف القطاف ترتفع مع أجور العمال، ولا سيما في الأراضي الجبلية التي تتطلب جهداً أكبر وسرعة في إنجاز الموسم قبل الأمطار.
ويرى مزارعون أن نجاح الموسم لا يقاس بكمية الزيتون التي تنتجها الأشجار فقط، بل بما يصل فعلياً إلى جيوبهم بعد دفع أجور القطاف والنقل والعصر وسائر النفقات. كما يطالبون بآلية أوضح للتسويق والتصدير، تمنع تحول وفرة المحصول إلى ضغط على سعره عند المنتج.
وفي النهاية، تكشف أزمة معاصر طرطوس أن المشكلة ليست في وجود شروط تنظيمية، بل في غياب منظومة متكاملة تستوعب موسماً بهذا الحجم. فالحكومة تستطيع تحديد موعد للعصر وإصدار قائمة طويلة من الاشتراطات، لكن ذلك لا يحل وحده مشكلة المعاصر الموسمية، ولا يضمن حماية المحصول، ولا يمنح المزارع سوقاً مستقرة. ومع محصول يتجاوز عشرة أضعاف إنتاج العام الماضي، يصبح قصور التخطيط أكثر وضوحاً: موسم وفير قد يتحول بسهولة إلى موسم مكلف إذا بقيت حلقات الإنتاج والعصر والتسويق تتحرك كل منها بإيقاع مختلف.
اقرأ ايضاً: بين “النابور” و”اللاقوط”.. كيف تُحدد أجور عمال قطاف الزيتون في طرطوس؟