أزمة العملة الجديدة توقف أفران الحسكة.. الخبز عالق بين السيولة والطحين
في الحسكة، لم تعد أزمة تبديل العملة السورية مجرد طوابير أمام مراكز الاستبدال أو صعوبة الحصول على الأوراق النقدية الجديدة. فقد انتقلت الأزمة إلى المخابز، حيث توقفت أفران عن العمل وتراجع إنتاج أخرى بصورة حادة، بعدما أصبحت المطاحن تشترط تسديد قيمة الطحين بالعملة السورية الجديدة، في وقت لا تزال فيه العملة القديمة هي الأكثر حضوراً في أيدي السكان.
وهكذا وجدت الأفران نفسها في حلقة مغلقة: المواطن يشتري الخبز بالسيولة المتوفرة لديه، والفرن يحتاج إلى هذه السيولة لبيع إنتاجه، لكنه لا يستطيع تأمين الطحين إلا بعملة لا يمتلكها معظم المتعاملين في المحافظة.
أفران تتوقف وإنتاج يتراجع
يقول مالك الحمود، صاحب فرن في مدينة الحسكة، إن منشأته توقفت بالكامل، رغم استمرار الطلب على الخبز، لأن المشكلة تكمن في تأمين الطحين لا في تصريف الإنتاج.
وفي عامودا، تبدو الفجوة أكثر وضوحاً. فالفرن الآلي الذي كان ينتج نحو 18 ألف ربطة يومياً لم ينتج الخميس سوى ثلاثة آلاف ربطة، مستنداً إلى مخزون احتياطي من المخصصات السابقة.
ولم يتوقف الانخفاض عند الإنتاج، إذ تعطل توزيع الخبز عبر المعتمدين، واضطر السكان إلى التوجه مباشرة إلى الفرن، بينما قُيدت الكميات المباعة للعائلة الواحدة بربطة أو اثنتين.
أما المالكية، فأغلِق فرنها الآلي للسبب ذاته، وفق عاملين فيه، ما دفع المدينة إلى مواجهة نقص إضافي في مادة أساسية لا يملك السكان رفاهية الاستغناء عنها.
حين تتحول السيولة إلى مشكلة خبز
تتجاوز تداعيات الأزمة حدود الأفران. فمع تقلص الكميات المنتجة، يتجه المواطنون إلى السوق الحرة، حيث ترتفع الأسعار تلقائياً مع تراجع المعروض.
ويقول سكان إن نقص الخبز في مدينة الحسكة انعكس على الأسعار لدى الباعة، في مشهد يوضح كيف يمكن لخلل نقدي أن يتحول خلال فترة قصيرة إلى ضغط مباشر على الأمن الغذائي.
المفارقة أن العملة القديمة ما تزال متداولة على نطاق واسع، رغم انتهاء قيمتها الإبرائية في 30 تموز، بينما تُفرض العملة الجديدة في نقطة إنتاج حساسة هي شراء الطحين. وبدلاً من أن يتم الانتقال النقدي بالتوازي بين انتشار البديل وسحب القديم، وجد السكان أنفسهم أمام واقع تسير فيه العملتان بسرعتين مختلفتين.
استبدال متأخر وبديل غير كافٍ
يضاف إلى ذلك أن مراكز استبدال العملة الجديدة لم تبدأ العمل في الحسكة إلا تدريجياً، مع افتتاح أولى النقاط في حزيران، وسط ازدحام وكميات استبدال لم تكن كافية لتغطية الطلب.
وفي الأيام الأخيرة، توقفت مراكز البريد عن عمليات الاستبدال للتركيز على صرف رواتب المتقاعدين، ما ضيق قنوات وصول السكان إلى العملة الجديدة في الوقت الذي بدأت فيه جهات اقتصادية بفرض استخدامها حصراً.
وتبدو المشكلة هنا أقل ارتباطاً برفض السكان للعملة الجديدة، وأكثر اتصالاً بفشل إدارة الانتقال إليها. فإصدار عملة جديدة لا يعني أن السوق ستنتقل إليها بقرار إداري، ما لم تتوافر السيولة الكافية وآليات استبدال فعالة وسريعة، خصوصاً في المحافظات البعيدة عن مراكز القرار والخدمات المصرفية.
الحكومة أمام أزمة صنعتها آلية الانتقال
تحاول الحكومة الانتقالية تنظيم الاستبدال عبر مراكز ثابتة ومنصة إلكترونية وحصر التعاملات المستقبلية بالعملة الجديدة، لكن ما يحدث في الحسكة يكشف الفجوة بين القرار المركزي والسوق الفعلية.
كان يفترض أن تسبق عملية سحب العملة القديمة عملية ضخ واسعة ومنظمة للجديدة، لا أن يُطلب من الأفران شراء الطحين بها فيما لا تزال يد المواطن ممتلئة بالأوراق القديمة.
ومع استمرار هذا الخلل، تصبح المشكلة أكبر من نقص نقدي مؤقت. فالخبز، الذي يفترض أن يكون أبعد السلع عن الاضطراب النقدي، أصبح أول ضحايا الانتقال غير المتوازن.
وفي الحسكة، لا ينتظر السكان مزيداً من التعاميم. إنهم ينتظرون خبزاً متوفراً، بسعر يمكن تحمله، وبعملة يستطيعون امتلاكها أصلاً.
اقرأ أيضاً: فوضى استبدال العملة في الرقة… سوق مرتبكة ومواطنون عالقون بين ندرة النقد وجشع الصرافين