لم تكن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى سوريا، مثمرة على المستوى السياسي على الرغم من كل محاولات الترويج لعكس ذلك، إذ اصطدمت رغبة غوتيريش بإحياء عملية سياسية جدية في سوريا برفض دمشق تعيين مبعوث أممي جديد خاص إلى سوريا خلفا للمبعوث السابق غير بيدرسون، كما رفضت نقل مكتب المبعوث إلى دمشق بدلاً من المقر الحالي الكائن في العاصمة السويسرية جنيف.
وتعتبر الحكومة الانتقالية إن العملية السياسية في الداخل السوري باتت محصورة بيدها، ولا تقبل بوجود أي دور للأمم المتحدة في هذا الخصوص إذ يعد انتقاصاً مما تسميه بـ “السيادة الوطنية”، التي ترى إنها تتحقق من خلال القرارات السياسية التي تتخذها لإدارة البلاد، في حين تريد الأمم المتحدة عملية سياسية تشاركية بالشكل الحقيقي والواقعي لا مجرد عملية تمثيل شكلي لـ “الأقليات”، ضمن المؤسسات السياسية السورية، وترى إن المشكلة الحقيقية حالياً هي في آلية بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية في سوريا والتي تقتصر على اللون الواحد الأمر الذي يمكن أن يرسخ حكماً بعيداً عن الديمقراطية لفترة غير محددة.
ويشير عدم قبول دمشق بوجود بعثة أممية واسعة الصلاحيات في سوريا، وقادرة على الاجتماع بمن تراهم من الشخصيات السياسية دون العودة للحكومة الانتقالية، محاولة للتأثير على مسار البناء السياسي الذي تنتهجه، إذ ما تزال الدائرة الضيقة من الشخصيات التي تدير البلاد ترفض وجود الأحزاب السياسية وترفض تشكل أي قوى يمكن أن تنافس في العمليات الانتخابية التي قد تقر من خلال الدستور الذي سيوضع في نهاية المرحلة الانتقالية ما لم تكن هذه الأحزاب محسوبة أساساً على الحكومة، الأمر الذي يشبه ما كان يعرف في سوريا باسم “الجبهة الوطنية التقدمية”، والتي كانت مشكلة من مجموعة من الأحزاب الموالية للنظام السابق وتشترك في العملية الانتخابية بنسب يحددها لها حزب البعث الذي كان حاكماً.
من يصيغ القوانين الأساسية لسوريا المستقبل؟
وتقول مصادر خاصة بشبكة “داما بوست”، أن مسألة الدستور وكتابته غير موضوعة حالياً على أجندة العمل بالنسبة للانتقالية، وإن العملية ستبدأ مع العام القادم ومن خلال شخصيات سيتم اختيارها من قبل الرئيس أحمد الشرع ودون أن يكون لأي دولة أو جهة دولية دوراً مباشراً ومعلناً في كتابة الدستور، لكن الواقع يقول إن الدستور السوري الجديد يكتب من قبل الحكومة التركية، وبحسب المعلومات فإن الرفض السوري للدور الأممي جاء بالتشاور مع السفير التركي في سوريا “نوح يلماز”، المخول من قبل بلاده باتخاذ القرارات الداعمة للحكومة السورية بدون العودة لأنقرة إلا في الحالات القصوى، والذي يمكن وصفه حاليا بـ “المبعوث السامي التركي”، لكونه صاحب الكلمة العليا في القرارات السياسية الداخلية في سوريا.
رفض دمشق لدور للأمم المتحدة في العملية السياسية يؤكد أن مدة الخمس سنوات التي حددت كمرحلة انتقالية مجرد فترة شكلية الهدف منها ترسيخ الحكم في سوريا بالشكل الذي تريده “الهيئة السياسية”، التي تعد حالياً الجهة الحقيقة لإدارة البلاد والتي ترتبط بالرئيس أحمد الشرع ويديرها وزير الخارجية اسعد الشيباني، وتعد امتداداً للهيئة السياسية التي كانت تتبع لتنظيم “هيئة تحرير الشام”، ويمكن وصفها حالياً بـ “القيادة القطرية”، التي كانت تدير حزب البعث والعملية السياسية في سوريا قبل سقوط النظام، إذ يوجد ممثل للهيئة السياسية في كل المحافظات بما يذكر بمنصب “أمين فرع حزب البعث”، والذي كان ذو صلاحيات تفوق صلاحيات المحافظين في المستويات الإدارية والقانونية، وتعد مسألة رفض أي تدخل من الأمم المتحدة في إدارة العملية السياسية في سوريا وإعادة إحياء الآمال بخصوص إنتاج نظام حكم ديمقراطي تعددي، بمثابة الحفاظ على الشكل الحالي من إدارة البلاد.
إقرأ أيضاً: كيف تدار المؤسسات الإعلامية السورية.. وكيف يصنع الخبر الرسمي..؟
إقرأ أيضاً: انعقاد مجلس الشعب السوري وجدل المرحلة الانتقالية: بين بناء المؤسسات وطرح قانون الأحزاب