زيارة نجيب ساويرس إلى دمشق تعيد ملف “سيريتل” إلى الواجهة.. رسائل اقتصادية في مرحلة انتقالية غامضة
في وقت تحاول فيه الحكومة السورية الانتقالية إقناع العالم بأن البلاد تدخل مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي، جاءت زيارة رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس إلى دمشق لتعيد فتح أحد أكثر ملفات الاستثمار إثارة للجدل في تاريخ الاقتصاد السوري؛ ملف شركة “سيريتل“، الذي ظل لسنوات رمزًا لتشابك السياسة بالاقتصاد وهيمنة مراكز النفوذ على بيئة الاستثمار.
واستقبل الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الأربعاء، ساويرس في قصر الشعب بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، في لقاء اكتفت وسائل الإعلام الرسمية بنشر صوره، دون إصدار أي بيان يوضح أهداف الزيارة أو ما إذا كانت أسفرت عن تفاهمات اقتصادية أو استثمارية جديدة، الأمر الذي فتح الباب أمام موجة واسعة من التكهنات.
لقاء يثير الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات
غياب التفاصيل الرسمية منح مواقع التواصل الاجتماعي مساحة واسعة للتأويل، إذ تداولت حسابات أن ساويرس حضر لاستعادة أموال مرتبطة بنزاعه القديم مع شركة “سيريتل”، أو لتنفيذ حكم قضائي دولي لصالحه.
لكن حتى الآن، لا توجد أي وثائق أو بيانات رسمية تؤكد أن هذا الملف كان حاضرًا على طاولة اللقاء، كما لا توجد أحكام دولية نهائية معلنة تثبت تلك الروايات، ما يجعل معظم ما يتم تداوله في إطار التكهنات أكثر منه معلومات موثقة.
“سيريتل”.. جرح استثماري لم يلتئم
ورغم غياب أي إعلان رسمي، أعادت الزيارة إلى الواجهة تصريحات سابقة لساويرس، كان أبرزها ما قاله في بودكاست “قصص” أواخر عام 2025، عندما وجّه رسالة إلى القيادة السورية الجديدة طالب فيها بإعادة شركته التي قال إنها “سُلبت” منه خلال حقبة النظام السابق.
كما سبق أن كشف في مقابلة تلفزيونية أن دخوله السوق السورية تم عبر شراكة مفروضة مع رجل الأعمال رامي مخلوف للحصول على رخصة الاتصالات، مؤكدًا أن تلك الشراكة تحولت لاحقًا إلى نزاع قضائي طويل انتهى بخروجه من الاستثمار دون استعادة كامل أمواله أو أرباحه، وفق روايته.
وتعود جذور القضية إلى مطلع الألفية، عندما دخلت شركة أوراسكوم تيليكوم شريكًا في “سيريتل”، قبل أن ينشب نزاع قضائي انتهى بتسوية معلنة عام 2003، من دون الكشف عن قيمتها المالية، بينما لم تتضمن العقود حينها بندًا يسمح باللجوء إلى التحكيم الدولي.
الاستثمار في سوريا… اختبار الثقة قبل رؤوس الأموال
وتأتي الزيارة في مرحلة تحاول فيها الحكومة الانتقالية استعادة ثقة المستثمرين وإعادة دمج الاقتصاد السوري في محيطه الإقليمي والدولي، إلا أن نجاح هذا المسار لا يرتبط فقط بالإعلانات السياسية، بل بقدرة الدولة على تقديم ضمانات قانونية وقضائية حقيقية تعيد الاعتبار لبيئة الاستثمار بعد سنوات طويلة من النزاعات والاحتكار.
وفي ظل غياب أي إعلان عن مشاريع جديدة أو تسويات مالية، تبقى زيارة ساويرس حدثًا سياسيًا واقتصاديًا مفتوحًا على أكثر من قراءة، ورسالة تعكس أن ملف الاستثمار في سوريا لا يزال يحمل إرثًا ثقيلًا من الماضي، فيما يبقى مستقبل التعافي الاقتصادي مرهونًا بقدرة الحكومة الانتقالية على بناء بيئة قائمة على الشفافية وسيادة القانون، لا على الغموض الذي لطالما أرهق الاقتصاد السوري وأفقده ثقة المستثمرين.
اقرأ أيضاً: رويترز: واشنطن تحذر دمشق من “مخاطر” الاعتماد على تكنولوجيا الاتصالات الصينية