أزمة السيولة في سوريا.. لغز تبخر أموال “شام كاش” عند الصرافين وارتفاع كلفة السحب النقدي
يستمر تطبيق “شام كاش” في التصدر كعنصر رئيسي ضمن حالة الغموض والارتباك المالي التي تشهدها سوريا منذ أيام؛ حيث تجلت ملامح هذه الأزمة في موجة شكاوى واسعة تداولها المواطنون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتركزت حول امتناع معظم شركات الصرافة في دمشق وبقية المحافظات عن صرف الأرصدة النقدية المحتفظ بها عبر التطبيق.
وفاقم هذه الأزمة اتجاه شركات أخرى إلى استغلال الموقف عبر فرض عمولات غير مسبوقة على عمليات السحب، تراوحت وفق تقرير نشره موقع “الحل نت” ما بين 250 و400 ليرة سورية عن كل 10 آلاف ليرة.
أموال على الشاشات وقدرة غائبة عن الصرف
تكشف هذه التطورات عن مشكلة عميقة تتجاوز مجرد تعطل خدمة إلكترونية أو امتناع شركات الصرافة عن التنفيذ، لتطرح علامات استفهام حول مكان وجود السيولة النقدية في الاقتصاد، وسبب توفر الأموال على شاشات الهواتف مع عجز أصحابها عن تحويلها إلى أوراق نقدية في السوق.
وتؤكد تفاصيل شكاوى المتعاملين أن المشكلة لم تعد تقتصر على صعوبة الحصول على النقد، بل امتدت لتشمل فرض قيود مشددة على السقوف المالية المتاحة للسحب.
ويؤكد أحد المتعاملين أن محاولات السحب متوقفة تقريباً منذ نحو أسبوع، وهو ما دفع المواطنين للبحث عن مكاتب وشركات خاصة تقبل تنفيذ العمليات مقابل عمولات مرتفعة، بينما أفاد متعامل آخر بأن بعض الشركات فرضت سقفاً محدداً للمبالغ وتوقفت عن توفير إمكانية استلام الدولار أو تعبئة الأرصدة به. وأمام هذا الواقع، تصاعدت المطالبات الشعبية الداعية إلى مقاطعة التطبيق نهائياً بعدما تحول إلى عبء إضافي بسبب ارتفاع عمولات السحب والإيداع
فيما وجه آخرون اتهامات لجهات داخل مصرف سوريا المركزي باحتكار توزيع المخصصات النقدية، مشيرين إلى أن الصرافين يتجهون لإيداع حساباتهم بالدولار لدى المركزي ليُقابَلوا بالتحجج بعدم وجود رصيد، مما حصر العمليات بأشخاص ذوي نفوذ وعلاقات داخل البنك.
وترافق ذلك مع تداول أنباء عن صدور قرار غير معلن يحدد سقف السحب عبر “شام كاش” بمبلغ مليون ليرة سورية قديم يومياً، وهو إجراء لم تؤكده أي جهة رسمية حتى الآن.
اختناق لدى الصرافين وتوقف الإمداد النقدي
على الجانب الآخر، اعتذرت شركات صرافة عديدة عن تقديم الخدمة مبررة موقفها بتعطل الربط الإلكتروني مع مصرف سوريا المركزي، ومكتفية بحصر عمليات السحب حالياً بمراكز البريد، باستثناء شركتين واصلتا تقديم الخدمة عبر فروع محدودة.
ونقلت صحيفة “الوطن” عن مصادر عاملة في السوق أن السبب الحقيقي وراء هذا التوقف يعود لنقص السيولة لدى مصرف سوريا المركزي، بالتزامن مع توجهه لتطبيق آلية جديدة لترتيب وتنظيم العمل.
وأوضحت المصادر أن عمليات السحب النقدي الخاصة بالشركات من البنك المركزي متوقفة منذ يوم الخميس الماضي باستثناء كميات ضئيلة جداً، ما تسبب في تراكم ضخم للحسابات والطلبات لدى معظم المكاتب، وجعلها تجمد الصرف وتوقف دعم الخدمة لعدم توفر الكاش البديل، بانتظار انتهاء هذا الإجراء الذي يُفترض أن يكون مؤقتاً.
وتأتي هذه الأزمة امتداداً لاضطرابات متكررة شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية في صرف الرواتب والسحب النقدي، وسط أحاديث عن نقص السيولة وتأخر وصول دفعات من العملة الجديدة إلى المصرف المركزي.
تضخم مرتفع وندرة نقدية شديدة
يقدم الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي قراءة في هذا المشهد، مبيناً أن سوريا تعيش واحدة من أكثر الأزمات النقدية تعقيداً في تاريخها الحديث، حيث تتجاور ظاهرتان متناقضتان للوهلة الأولى تتمثلان في تضخم مرتفع يلتهم القدرة الشرائية وسيولة منخفضة تعجز عن تحريك الدورة الاقتصادية.
ويوضح قوشجي أن هذه الحالة ليست عابرة، بل هي نتاج تراكمات بنيوية في الاقتصاد السوري وتحولات في سلوك السوق، أضيفت إليها قنوات مالية جديدة مثل “شام كاش” التي أعادت تشكيل حركة النقد خارج الجهاز المصرفي التقليدي.
ويرجع قوشجي انخفاض السيولة في السوق إلى عدة عوامل، أولها ضعف الجهاز المصرفي الذي فقد دوره الطبيعي كوسيط مالي نتيجة القيود المشددة على السحب والإيداع وانعدام الثقة وتوقف الإقراض المصرفي شبه الكامل، مما جعل النقد يخرج من المصارف ليعاد اختزانه في البيوت أو لدى المضاربين. ويضيف أن تراجع الإنفاق الحكومي ساهم في تقليص السيولة باعتباره مصدراً رئيسياً لضخ النقود، حيث أدى تراجع القيمة الفعلية للرواتب التي جاءت زياداتها دون مستوى ارتفاع الأسعار، إلى جانب انكماش المناقصات ونشاط المؤسسات العامة، إلى انخفاض كمية الليرات التي تدخل السوق يومياً.
كما أشار إلى ظاهرة احتجاز النقد لدى المضاربين على الليرة والدولار مما خلق جيوباً نقدية معزولة، فضلاً عن تراجع الاستهلاك اليومي وانكماش الدورة الاقتصادية نتيجة تدهور القدرة الشرائية.
“شام كاش”.. دورة مالية مغلقة خارج البنوك
حسب التحليل الاقتصادي للدكتور إبراهيم نافع قوشجي، فإن تطبيق “شام كاش” تجاوز دوره كخدمة دفع إلكترونية ليتحول إلى نظام مالي صغير متكامل تتحرك داخله نسبة معتبرة من السيولة الوطنية.
وتتلخص آلية العمل في أن الأموال المودعة تبقى محتجزة داخل التطبيق وتنتقل بين المستخدمين في دورة مغلقة دون أن تعود إلى المصارف التقليدية، مما يخلق دورة نقدية رقمية منفصلة تماماً عن الدورة الرسمية.
ويرى قوشجي أنه رغم تسهيل التطبيق للتحويلات والدفع وتخفيفه حاجة الناس للنقد الورقي في معاملاتهم، إلا أنه يقلص الإيداعات المصرفية ويضعف قدرة البنوك على الإقراض، معززاً الانفصال بين السيولة المتداولة والجهاز المالي الرسمي، حيث يحرك السيولة في المكان الخاطئ بالنسبة للاقتصاد الكلي. وتظهر البيانات الرسمية أن عدد مستخدمي “شام كاش” تجاوز 4 ملايين و200 ألف مستخدم مع تنفيذ نحو مليوني عملية تحويل يومياً، ليصبح منصة معتمدة لتوطين الرواتب لعدد كبير من العاملين في القطاع العام.
ورغم تأكيد إدارة التطبيق أن النسبة المعتمدة رسمياً بين الخدمة وشركات الصرافة تتراوح بين 3 و5 بالألف (أي 3 إلى 5 آلاف ليرة للمليون الواحد)، إلا أن شهادات المتعاملين تظهر ارتفاع العمولات الفعلية على الأرض إلى ما بين 10 و15 ألف ليرة عن كل مليون، ليصل ما يدفعه الموظف صاحب راتب المليون والنصف إلى ما بين 20 و25 ألف ليرة، بسبب الخلل التنظيمي وغياب الرقابة على الجهات الوسيطة.
ويخلص قوشجي إلى أن سوريا تعيش حالة مركبة وفريدة تتلخص في تضخم مرتفع ناتج عن ضعف الإنتاج وتدهور سعر الصرف وليس عن وفرة السيولة كما في النماذج التقليدية، مقابل سيولة منخفضة جراء ضعف البنوك وتراجع الإنفاق الحكومي واحتجاز النقد.
وجاءت القنوات الموازية مثل “شام كاش” لتعيد توزيع السيولة خارج النظام المصرفي الرسمي، فتخفف الأزمة اليومية أفراداً وتعمقها بنيوياً على المستوى الكلي، مما يدفع الاقتصاد للعمل بطاقة نقدية أقل من احتياجاته، لتظهر مفارقة نادرة لعملة منخفضة القيمة للغاية رغم ندرتها الشديدة في السوق.
اقرأ أيضاً:صعوبة سحب الليرة عبر شام كاش.. حين يتحول سحب أموال السوريين إلى معاملة إضافية
اقرأ أيضاً:اختلاس 764 ألف دولار بـ توفير دمشق.. فضيحة مالية تُشعل الحرب بين المصرف وشام كاش