خطاب أحمد الشرع عن لبنان.. قراءة لغوية جيوسياسية في حدود الدور السوري

لا يمكن قراءة مقابلة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع مع قناة “المشهد” كرد مباشر على سؤال دخول سوريا إلى لبنان لـ “نزع” سلاح حزب الله.

البنية اللغوية للمقابلة تكشف محاولة أوسع لإعادة تعريف موقع سوريا في المجال اللبناني، عبر نقل الخطاب من ذاكرة الوصاية العسكرية إلى قاموس الوساطة الأمنية والربط الاقتصادي، فالشرع لا يعلن عودة سوريا إلى لبنان، لكنه يبني لغويا شروط قبول دور سوري جديد، أقل خشونة في الشكل وأكثر امتدادا في المضمون.

المقابلة تقوم على ثنائية مركزية من نفي التدخل العسكري، وتثبيت حق التأثير السوري، وهذه الثنائية مفتاح الخطاب كله.

حين ينفي الشرع احتمال دخول سوريا إلى لبنان لـ “نزع” سلاح حزب الله، لا يغلق الباب أمام الدور السوري بقدر ما يعيد تعريفه، فيستبعد الفعل العسكري من الخطاب، لكنه يفتح مساحة بديلة للتأثير عبر الأمن والمؤسسات والتسوية السياسية والربط الاقتصادي.

بهذا الانتقال، لا تعمل اللغة على رفض التدخل فقط، بل على إعادة تسميته ضمن قاموس أكثر قبولا من وساطة وضمانات ومصالح مشتركة.

من “سوريا الوصاية” إلى “سوريا الضحية”

أول عملية لغوية في الخطاب هي فصل سوريا عن النظام السابق، فالشرع يكرر أن الشعب السوري عانى من النظام السابق كما عانى اللبنانيون.

هذه الصياغة لا تكتفي بتبرئة سوريا الجديدة، بل تعيد تشكيل الذاكرة اللبنانية نفسها، فينقل المسؤولية من الدولة إلى النظام، ومن الجغرافيا إلى السلطة السابقة، ومن التاريخ السوري – اللبناني إلى مرحلة سياسية محددة.

هذه التقنية تفتح الباب أمام عودة الدور السوري من دون دفع كلفة الاعتراف بالوصاية، فالخطاب لا يقول إن سوريا أخطأت في لبنان، بل إن النظام السابق أضر بسوريا ولبنان معا.

الاعتراف ينتج التزاما سياسيا وأخلاقيا، أما إعادة توزيع المسؤولية فتنتج مساحة مناورة، والشرع يستخدم هذه المساحة ليقول للبنانيين لا تخافوا من سوريا الجديدة، وفي الوقت نفسه يقول إن سوريا الجديدة تملك حقا طبيعيا في التأثير داخل لبنان.

“نحن” بوصفها دولة وجماعة وقيادة

يستخدم الشرع ضمير “نحن” بكثافة، وينتقل به بين أكثر من معنى، فأحيانا يعني الدولة السورية، وأخرى السلطة الجديدة، وأحيانا الشعب السوري، أو القيادة السياسية.

هذا التنقل يسمح للخطاب بأن يخلط بين شرعية الثورة، وشرعية الدولة، وشرعية الجغرافيا، فحين يقول “نحن لا ننوي إلا كل خير لأهلنا في لبنان” يظهر “نحن” كضمير أخلاقي مطمئن، وعندما يتحدث أن سوريا لديها أدوات للتأثير الإيجابي، يتحول “نحن” إلى ضمير دولة تملك نفوذا.

تتحول “نحن” عند الحديث عن ما وصفه “الجرح السوري بسبب حزب الله” إلى ضمير ضحية، وهذا التعدد يمنح الخطاب قدرة على الحركة بين العاطفة والسيادة والأمن، لكنه يطرح إشكالية واضحة، فمن يتحدث بالضبط؟ الدولة السورية، أم السلطة الجديدة، أم الجرح السوري، أم المشروع الإقليمي الجديد؟

الطمأنة كأداة سياسية لا كخطاب وجداني

يقوم الخطاب على معجم طمأنة متكرر، لا بوصفه تعبيرا وجدانيا عن حسن النية، بل كآلية لغوية لتخفيف الارتياب اللبناني من عودة الدور السوري.

المفردات التي تحيل إلى الحوار والمؤسسات ووقف الحرب تمنح الحضور السوري صفة الوساطة لا التدخل، لكنها في الوقت نفسه تعيد إدخال دمشق إلى قلب المعادلة اللبنانية من بوابة الحماية والضمانات.

تظهر المفارقة في أن الطمأنة لا تلغي النفوذ، بل تنظمه لغويا، فحين يقول الشرع إن المكون الشيعي يجب أن يطمئن، وإن حزب الله يجب أن يجد له موضعا، فهو لا يخاطب لبنان من الخارج، بل يتحدث كطرف قادر على توصيف مكوناته الداخلية واقتراح شكل توازنها، وهذه ليست لغة مراقب، بل فاعل إقليمي يرى نفسه شريكا في هندسة التسوية اللبنانية.

حزب الله.. بين التجريم السياسي والاحتواء الوظيفي

يتعامل الشرع مع حزب الله عبر مستويين متوازيين، الأول اتهامي عبر ربط الحزب بالحرب السورية، وهذا المستوى يمنح سلطة دمشق الجديدة شرعية في رفض الحزب، والثاني وظيفي بإعلانه الاستعداد للحوار معه إذا خدم ذلك لبنان والمصالح السورية.

هذا الازدواج ليس تناقضا عابرا، بل بنية سياسية، فحزب الله في الخطاب عدو سابق لا يمكن تجاهله، ومشكلة لبنانية لا يمكن حلها بالإلغاء، و”أداة إيرانية” لا ينبغي اختزال البيئة الشيعية بها.

يسحب الشرع الحزب من موقع “العدو المطلق” إلى موقع “العقدة التفاوضية” فالخطاب لا يطالب بتدميره، ولا يبرئه، بل يحوله إلى ملف قابل للإدارة.

أما المعالجة اللغوية للبيئة الشيعية فأكثر حساسية، فالشرع يفصلها عن حزب الله، لكنه يتحدث عن “تأمين البيئة الشيعية” و”إنقاذها”، فلا يخاطب الشيعة كمواطنين لبنانيين فقط، بل كبيئة تحتاج إلى ضمانات، وهنا يظهر البعد الجيوسياسي للطائفة، فالمكون الداخلي اللبناني يتحول إلى نقطة تماس بين إيران و”إسرائيل” وسوريا والدولة اللبنانية.

شرعنة التدخل عبر المكان

الجملة الأخطر في المقابلة هي أن “الجغرافيا قاهرة” ما منح الخطاب أساسه الجيوسياسي، فالشرع يستخدم الجغرافيا كحجة تتجاوز الرغبات السياسية.

لبنان وسوريا، في منطقه، ليسا دولتين متجاورتين فحسب، بل مجالان متداخلان أمنيا واقتصاديا وسكانيا، وأي حرب في لبنان تنعكس على سوريا، وأي اضطراب على الحدود يتحول إلى تهديد مباشر.

تتحول الجغرافيا في الخطاب إلى مصدر شرعية مواز للسيادة، فالدور السوري لا يبرر عبر استدعاء الماضي، بل بتصوير التداخل المكاني بين البلدين كحقيقة ضاغطة تفرض نفسها على القرار السياسي، فلا تبدو الحدود مجرد فاصل قانوني بين دولتين، بل مجالا مفتوحا للأمن والاقتصاد والتهديد المتبادل، بما يجعل منطق الجغرافيا في الخطاب أقوى من الاعتراضات السيادية.

هذه الحجة تحمل خطرا واضحا، فكل خطاب وصاية في المشرق استند بصورة ما إلى الجغرافيا، فلا يكفي نفي دخول الدبابات لإثبات نهاية الوصاية، فالسؤال الحقيقي ليس هل تدخل سوريا عسكريا؟ بل هل تعترف بلبنان كدولة مكتملة السيادة أم كامتداد جغرافي يحتاج إلى إدارة سورية ناعمة؟

الاقتصاد كبديل لغوي عن الأمن

عندما ينتقل الشرع إلى الحديث عن بيروت كواجهة بحرية لدمشق، وطرابلس كواجهة بحرية لحمص، وسوريا كعقدة ربط بين الشرق والغرب، يتغير شكل الخطاب من أمني إلى اقتصادي، لكنه لا يخرج من منطق النفوذ، فالاقتصاد ليس مجرد تعاون، بل إعادة رسم للمجال الإقليمي.

هذا الجزء من المقابلة يكشف انتقالا من “خطوط عسكرية” إلى “خطوط اقتصادية”، والمعنى الجيوسياسي أن سوريا تريد العودة إلى لبنان عبر البنية التحتية بدل الأجهزة الأمنية، فالنفوذ لا يختفي، بل يغير أدواته.

هذ الطرح يحمل جانبا واقعيا، لأن لبنان يحتاج إلى منافذ وحلول طاقة وربط تجاري، لكنه يحمل أيضا إشكالية سيادية.

حين يعرف لبنان بوصفه رئة سوريا وواجهتها البحرية، يتراجع استقلاله الرمزي داخل الخطاب، ويصبح البلد وظيفة ضمن مجال سوري أوسع، وهذا تكامل مشروط بمركزية الجغرافيا السورية.

ترسيم الحدود.. تأجيل السيادة لمصلحة التهدئة

في ملف ترسيم الحدود، يختار الشرع لغة التدرج، فيبدأ من وقف الحرب والربط الاقتصادي، ويؤجل نقاط الخلاف.

تبدو المقاربة عملية، لكنها تكشف أن الخطاب يفضل إدارة الالتباس بدل حسمه، فالحدود غير المرسمة تمنح الفاعلين مساحة حركة، لكنها تبقي السيادة معلقة.

ترسيم الحدود ليس ملفا تقنيا، بل اختبار لمدى استعداد سوريا الجديدة للتخلي عن فائض الجغرافيا، فإذا كانت العلاقة مع لبنان ستبدأ من الاقتصاد من دون ضبط الحدود، سيبقى الربط الاقتصادي معلقا فوق أرض رخوة.

الدولة لا تقوم فقط على المصالح المشتركة، بل على الوضوح القانوني، ومن دونه تتحول “نقاط الالتقاء” إلى وسيلة لتأجيل الملفات التي تحدد معنى الدولة نفسها.

واشنطن وإسرائيل وإيران.. الخطاب كرسالة متعددة الاتجاهات

يقدم الشرع سوريا كأداة ضبط، فيرسل إشارة لـ”إسرائيل” أن المخاوف الأمنية مفهومة ضمن صندوق حلول أوسع، ويوجه إلى إيران رسالة غير مباشرة مفادها أن اختزال لبنان في الملف الإيراني خطر، ويعرض على العرب سوريا بوصفها دولة عائدة إلى النظام الإقليمي من بوابة الاستقرار والتنمية.

هذه الرسائل المتعددة تفسر حذر اللغة، فالشرع لا يتبنى خطاب مواجهة مع حزب الله وإيران، ولا يتبنى خطاب تطبيع مباشر مع “إسرائيل”، ولا يسمح لواشنطن بتحويل سوريا إلى أداة عسكرية في لبنان، لكنه يترك لكل طرف ما يكفي من العبارات كي يقرأ فيها مصلحته.

خطاب يعيد ترتيب الدور السوري

تكشف المقابلة انتقالا في صياغة الدور السوري تجاه لبنان؛ من نفي التدخل العسكري المباشر إلى طرح أشكال أخرى من الحضور عبر الأمن والاقتصاد والحدود والوساطة.

لا يلغي الخطاب فكرة التأثير، بل ينقلها من المجال العسكري المكشوف إلى أدوات أقل صدامية وأكثر قابلية للتسويق السياسي.

لا يقاس هذا الخطاب بإعلانات النية أو مفردات الطمأنة، بل بالبنية التي ينتجها، فمن يعرف الأزمة اللبنانية؟ ومن يملك أدوات الضغط أو يقترح مسارات الحل؟ ومن يحدد حدود الدور السوري؟ وهنا تظهر سوريا في موقع فاعل يسعى إلى استعادة تأثيره الإقليمي، بينما يظهر لبنان داخل الخطاب كمساحة أزمة تحتاج إلى إدارة وضمانات وربط خارجي.

لا تعني نهاية الوصاية العسكرية؛ التي يمكن مناقشتها وفق ظروفها حينها، خروج المسألة اللبنانية من حساب السلطة الجديدة في سوريا، بل انتقالها إلى لغة جديدة تستخدم مفردات الاستقرار والمصالح المشتركة والربط الاقتصادي بدل مفردات السيطرة المباشرة.

القراءة التحليلية: تستند الرسوم البيانية إلى تحليل مقابلة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مع قناة “المشهد”. تركّز المؤشرات على تحوّل أدوات النفوذ من العسكري المباشر إلى الاقتصادي والسياسي، ومستويات الطمأنة الموجّهة للفاعلين الإقليميين، وحضور “الجغرافيا” كحجة مركزية لإعادة تعريف العلاقة السورية-اللبنانية.

توزيع الرسائل: طمأنة عالية للبيئة الشيعية والدولة اللبنانية، ورسائل مزدوجة (عدو/شريك) تجاه حزب الله، وتحفّظ دبلوماسي تجاه إيران وإسرائيل.

 

الانتقال من “سوريا الوصاية” إلى “سوريا الوسيط”: تراجع التركيز على العسكري لصالح الاقتصاد والوساطة، مع بقاء “الجغرافيا” كحجة قاهرة.

 

الخلاصة: يعيد خطاب الشرع ترتيب الدور السوري في لبنان عبر لغة ناعمة، لكنه لا يلغي فكرة التأثير. فـ”نفي التدخل العسكري” يُقابَل بتثبيت “الحق الطبيعي” في التأثير الأمني والاقتصادي، وتُستخدم “الطمأنة” كأداة سياسية لإدارة الالتباس، لا كتعبير وجداني عن حسن النية. تبقى “الجغرافيا” والحدود غير المحدّدة أبرز أدوات الضغط الناعم.

المصدر موقع سوريا الغد

إقرأ أيضاً: ترامب مصرٌ على إشعال حرب جديدة.. المعركة مع حزب الله واحتمالاتها

إقرأ أيضاً: لماذا يرغب جهاديو سوريا بمعركة ضد حزب الله..؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.