المكبات العشوائية تخنق نهر العاصي وتدمر محاصيل سهل الغاب
تتفاقم الأزمة البيئية والصحية في منطقة سهل الغاب مع تحول مكبات النفايات العشوائية المنتشرة على ضفاف نهر العاصي إلى مصدر تهديد مباشر وملح للزراعة والحياة المائية والتربة، وصولاً إلى صحة السكان المحليين الذين يعتمدون كلياً على النهر للري والشرب، وسط تحذيرات متزايدة من تداعيات هذا التلوث على الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي للمنطقة.
معاناة المزارعين وتكاليف إضافية
يتكبّد المزارعون المحليون خسائر مالية ومعنوية كبيرة جراء انتشار أطنان النفايات، إذ أكد المزارع فضل الزكوان من محيط قرية القرقور لصحيفة “عنب بلدي” أن اعتماده الكامل في معيشته يستند إلى الزراعة والسقاية من نهر العاصي والقنوات المتفرعة منه
إلا أن تراكم القمامة بات يعوق عمله بشكل يومي ويستنزف جهده في تنظيف مضخات المياه التي تسدها الأكياس والقطع البلاستيكية، مما يتسبب في أعطال متكررة لمواتير الري وتكاليف صيانة باهظة تُثقل كاهله.
وأضاف الزكوان أن انتشار القوارض والحشرات مثل الذباب والبعوض والجرذان حول المكبات، إلى جانب تسرب المواد الكيميائية والمنظفات المنزلية وزيوت السيارات ومخلفات المعامل البسيطة إلى المياه والتربة، أدى إلى تلف المحاصيل وظهور آفات زراعية جديدة تفرض استخدام المزيد من الأدوية والأسمدة، وهو ما يضاعف الأعباء المالية الملقاة على عاتق الفلاحين.
انهيار البيئة المائية وظهور الأنواع الغازية
من جانبه، حذر المهندس الزراعي أنس أبو طربوش من الأثر المباشر والمدمر لهذه المكبات على الثروة السمكية والبيئة المائية في النهر، مشيراً إلى أن تحلل المواد العضوية يؤدي إلى انخفاض حاد في مستويات الأكسجين المنحل بالمياه، الأمر الذي يتسبب في تسمم الأسماك ونفوقها واختلال التوازن البيئي الشامل.
وأوضح أبو طربوش أن تراكم القمامة والمخلفات الصلبة والبلاستيكية في قاع النهر وضفافه يغير من طبيعة الموائل المائية وأماكن وضع البيوض، مما أسفر عن تراجع الأنواع السمكية المحلية الحساسة للتلوث وتفوق أنواع أكثر قدرة على التكيف، حيث لوحظ انتشار سمك السلور الأفريقي الغازي على حساب السلور المحلي الأصلي.
انسداد القنوات ومخاطر السموم الثقيلة
ولفت أبو طربوش أيضاً إلى أن انسداد قنوات الري والعبارات المائية بالمخلفات يعوق حركة المياه في الصيف والشتاء، مما يرفع منسوبها ويؤدي إلى فيضانها وغمر الأراضي الزراعية بالمياه الملوثة.
وأكد المهندس الزراعي أن خطورة الملوثات تتعدى مجرد الانسداد وتصل إلى انتقال المواد السامة كالمعادن الثقيلة، مثل الرصاص والزئبق، ناهيك عن المركبات الكيميائية والبلاستيكية أثناء تحللها، حيث تتراكم هذه العناصر في التربة والمياه لتنتقل لاحقاً إلى الأنسجة النباتية، مما يثير مخاوف جدية تتعلق بسلامة المحاصيل الغذائية وصحة المستهلكين.
أسباب متراكمة وواقع خدمي متهالك
وفي إطار تصريح خاص لـ “عنب بلدي”، عزى عبد الجبار المحمد، مسؤول دائرة النظافة في حماة، أسباب هذه الظاهرة المتفاقمة إلى ضعف إمكانيات المجالس المحلية وقصورها عن تغطية كافة المناطق، بالإضافة إلى انعدام المطامر الصحية وغياب الوعي لدى الأهالي الذين اضطروا للتخلص من نفاياتهم في أقرب المساحات الفارغة على الضفاف.
وذكر المحمد أن المشكلة تعود لعقود من الإهمال والتهميش الممنهج من قبل النظام السابق منذ انطلاق الثورة، حيث اقتصرت معالجة الملف على حلول ترقيعية مؤقتة دون وضع استراتيجية دائمة لإنشاء مطمر صحي شامل يخدم كامل سهل الغاب
مشيراً إلى أن الزيادة السكانية والتوسع العمراني السريع عقب عودة الأهالي بعد التحرير ضاعفت من حجم الضغط على إدارات المجالس المحلية التي تفتقر للإمكانيات الإدارية والخدمية.
خطط معلقة وآمال معقودة
استعرض المحمد حجم الأضرار الموثقة والتي شملت جفاف أجزاء من النهر، وتلوث المياه بعصارة القمامة، وتلوث الهواء بالدخان الناجم عن الحرق العشوائي، فضلاً عن نشوب حرائق في الأراضي الزراعية وتفشي الأوبئة والحشرات نتيجة السقي بالمياه الملوثة.
وأفاد بأن هناك خطة عمل مطروحة تتضمن تشكيل لجان متخصصة لدراسة إنشاء مطامر صحية ودعم البلديات وتجميع المزارع ضمن قطاعات خدمية أكبر مع إطلاق حملات توعوية وشاملة، بينما يترقب سكان سهل الغاب تحويل هذه الوعود إلى خطوات فعلية وملموسة على الأرض لإنقاذ مصدر رزقهم الوحيد وتجنب كارثة بيئية وصحية وشيكة.
اقرأ أيضاً:أزمة المياه في دمشق تتفاقم.. تقنين التزويد يدفع السكان نحو الصهاريج
اقرأ أيضاً:دخان مكبات إدلب.. حين تتحول النفايات إلى أزمة تتنفسها الطرق والمراعي