روسيا تعزز حضورها في طرطوس.. ماذا تعني عودة السفن الروسية بعد اتفاق دمشق وموسكو؟
بعد أسابيع من إعلان دمشق وموسكو التوصل إلى مذكرة تفاهم جديدة بشأن مستقبل الوجود الروسي في سوريا، عادت التحركات الروسية في الساحل السوري إلى الواجهة، مع وصول قافلة بحرية روسية تضم سفنًا عسكرية ولوجستية إلى ميناء طرطوس.
وتطرح عودة السفن الروسية إلى طرطوس تساؤلات حول طبيعة المرحلة الجديدة من الوجود الروسي في سوريا، وما إذا كانت التحركات الأخيرة تعكس استمرار النموذج العسكري السابق، أم أنها تأتي في إطار الترتيبات الجديدة التي اتفقت عليها دمشق وموسكو.
سفن روسية تصل إلى ميناء طرطوس
في 7 أيلول الحالي، وصلت إلى ميناء طرطوس قافلة روسية مكونة من أربع سفن، بينها سفينة الشحن «سبارتا» (Sparta)، وناقلة الإمداد البحري «أكاديميك باشين» (Akademik Pashin)، وناقلة النفط «جنرال سكوبيليف» (General Skobelev)، إضافة إلى المدمرة «أدميرال ليفشينكو» (Admiral Levchenko).
وأظهرت صور للأقمار الصناعية وجود عدد من السفن الروسية داخل الميناء، فيما تحدثت مصادر عن وصول إمدادات بينها ذخائر. ولم تتمكن وكالة «رويترز» بصورة مستقلة من التحقق من طبيعة كامل الشحنة أو وجهتها النهائية.
وتأتي هذه التحركات بعد أسابيع من توصل دمشق وموسكو، في 9 آب الماضي، إلى مذكرة تفاهم بعد نحو 18 شهرًا من المفاوضات، بهدف إعادة تنظيم مستقبل الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس.
وبحسب ما أعلنته الجهات السورية، تتضمن التفاهمات استعادة الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، في حين يعاد تنظيم وظيفة المنشآت العسكرية وتحويلها إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل.
عودة روسيا إلى طرطوس.. اختبار للمرحلة الجديدة
يرى الباحث في الشؤون الروسية والشرق أوسطية ديمتري بريجع أن وصول القافلة الروسية إلى ميناء طرطوس لا يمكن قراءته باعتباره حركة لوجستية عادية، بل يمثل اختبارًا عمليًا لشكل الوجود الروسي الجديد في سوريا بعد التفاهمات الأخيرة بين دمشق وموسكو.
وقال بريجع إن أهمية القافلة لا ترتبط فقط بوصول السفن، وإنما أيضًا بتوقيت وصولها، بعد أسابيع قليلة من الاتفاق الذي أعاد رسم مستقبل الوجود الروسي في حميميم وطرطوس.
وبحسب الباحث، فإن وصول السفن لا يعني انسحاب روسيا من سوريا، وإنما يشير إلى إعادة تنظيم وجودها، مع سعي موسكو إلى الحفاظ على الحد الأدنى من القدرات العملياتية واللوجستية التي تسمح باستمرار حضورها في الساحل السوري.
وفي المقابل، تسعى دمشق، وفق هذا التقدير، إلى وضع الوجود الروسي ضمن إطار جديد تكون فيه السيادة السورية أكثر وضوحًا.
ويضيف بريجع أن استمرار وصول الإمدادات، في حال تأكد، يمثل مؤشرًا على بقاء جانب من الوجود العسكري الروسي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استمرار النموذج الذي كان قائمًا قبل التفاهم الجديد.
ماذا تكشف طبيعة السفن الروسية؟
تضم القافلة سفنًا مخصصة لنقل المعدات والإمدادات والوقود، إلى جانب المدمرة «أدميرال ليفشينكو»، وهي من فئة «أودالوي» الروسية المخصصة بشكل أساسي لمهام الحرب المضادة للغواصات.
ويرى بريجع أن تركيبة القافلة تشير إلى قدرة على تنفيذ مهمة لوجستية بحرية عسكرية متكاملة وتأمينها، لكنه يحذر من اعتبار وصولها دليلًا على عودة الأسطول الروسي إلى سوريا بكامل قوته.
ويشير إلى أن ما يمكن استنتاجه بصورة أكثر تحديدًا هو رغبة موسكو في الحفاظ على إمكانية الوصول إلى ميناء طرطوس، وتأمين إمدادات مواقعها وتشغيل قدراتها العسكرية واللوجستية عند الحاجة.
ولا تقتصر أهمية طرطوس بالنسبة إلى روسيا على الملف السوري، إذ يرتبط الميناء أيضًا بحركة موسكو البحرية في البحر المتوسط وتحركاتها في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.
هل تغيرت طبيعة قاعدة حميميم وطرطوس؟
تنص مذكرة التفاهم الجديدة، وفق ما أعلنته الجهات السورية، على تحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى تراجع الوجود العسكري الروسي في سوريا.
ويرى بريجع أن التغيير السياسي والقانوني يمثل تقليصًا لاستقلالية الوجود الروسي مقارنة بالمرحلة السابقة، لكن طبيعة التحول العسكري تحتاج إلى متابعة تفاصيل التنفيذ على الأرض.
فمراكز التدريب العسكرية تحتاج إلى مدربين وضباط وفنيين ومهندسين ووسائل اتصال ومعدات وذخائر ومنشآت للصيانة والحماية، وبالتالي فإن تغيير صفة المنشأة لا يعني بالضرورة اختفاء بنيتها العسكرية.
ويعتبر بريجع أن المؤشرات الأهم خلال المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بعدد العسكريين الروس، ونوعية الأسلحة والمعدات الموجودة، والجهة التي تتحكم بالدخول والخروج، ومن يملك صلاحية التحكم بالمجال الجوي، ومن يوافق على دخول السفن، إضافة إلى الجهة التي تمتلك القرار العملياتي النهائي.
وفي حال أصبحت هذه القرارات خاضعة بصورة أساسية للدولة السورية، فسيكون ذلك تحولًا جوهريًا في طبيعة الوجود الروسي، حتى مع استمرار وجود عسكري روسي في بعض المواقع.
الوجود الروسي في سوريا.. صيغة جديدة أم استمرار للنفوذ؟
من جهته، يرى الإعلامي والمحلل السياسي الدكتور نصر اليوسف أن الاتفاق بين دمشق وموسكو لا ينص على خروج روسيا بصورة كاملة من سوريا، كما لا يعني استمرار وجودها بالشكل الذي كان قائمًا في السابق.
وبحسب اليوسف، فإن جوهر التفاهم يتمثل في إعادة صياغة طبيعة الوجود الروسي، بما يسمح لموسكو بالحفاظ على حضورها في سوريا، لكن بعيدًا عن صيغة الوجود العسكري القتالي التقليدي.
وأشار إلى الأهمية الاستراتيجية التي كانت تتمتع بها قاعدتا حميميم وطرطوس بالنسبة إلى موسكو، معتبرًا أن موقعهما منح روسيا قدرة على التحرك ضمن حساباتها في البحر المتوسط والشرق الأوسط.
ويرى أن إعادة تنظيم الوجود الروسي تتضمن تخصيص أجزاء من المنشآت للاستخدام المدني السوري، مع إمكانية استخدام أجزاء أخرى بصورة مشتركة بين الجانبين، من دون أن تكون وظيفتها الأساسية شن عمليات عسكرية قتالية.
وبحسب هذا الطرح، فإن وصول سفن روسية ذات طبيعة عسكرية إلى طرطوس لا يعني بالضرورة عودة الوجود الروسي إلى ما كان عليه قبل التفاهمات الجديدة.
لماذا تحتاج سوريا إلى الخبرة الروسية؟
يرتبط مستقبل التعاون العسكري بين دمشق وموسكو أيضًا بملف الأسلحة والمعدات التي يمتلكها الجيش السوري.
ويشير اليوسف إلى أن جزءًا كبيرًا من تسليح الجيش السوري تاريخيًا كان سوفيتيًا وروسياً، وأن سنوات الحرب ألحقت أضرارًا كبيرة بهذا المخزون، بينما تعرضت معدات أخرى لضربات إسرائيلية بعد سقوط النظام السابق.
وبحسب اليوسف، تحتاج سوريا إلى إعادة تأهيل ما تبقى من أسلحتها ومعداتها، وهو ما يتطلب خبرات فنية وقطع غيار وذخائر، ما يجعل التعاون مع روسيا خيارًا مطروحًا في المرحلة الحالية.
ويضيف أن إعادة بناء وتسليح الجيش السوري تحتاج إلى موارد مالية وفنية كبيرة، في وقت تحاول فيه الدولة السورية الجديدة إعادة بناء مؤسساتها العسكرية.
الصيانة والتدريب بدلًا من صفقات التسليح؟
يرى بريجع أن استمرار التعاون العسكري بين سوريا وروسيا لا يعني بالضرورة عودة صفقات التسليح الروسية الواسعة التي كانت سائدة سابقًا.
ويشير إلى أن موسكو تستطيع الحفاظ على جزء من نفوذها العسكري عبر التدريب والصيانة وقطع الغيار والدعم الفني والخبرات العسكرية، إضافة إلى المساعدة في تشغيل المعدات الروسية الموجودة أصلًا لدى الجيش السوري.
وبناء على ذلك، يصف بريجع المرحلة الحالية بأنها أقرب إلى «إعادة تعريف الوظيفة الروسية داخل سوريا» بدلًا من كونها انسحابًا روسيًا كاملًا.
ففي المرحلة السابقة، كان الوجود الروسي مرتبطًا بصورة وثيقة بدعم النظام السابق وإدارة العمليات العسكرية واستخدام الأراضي السورية منصة للتحرك الروسي في شرق المتوسط.
أما في المرحلة الجديدة، فتسعى موسكو، وفق هذا التقدير، إلى الحفاظ على قواعد ونقاط اتصال وقدرات لوجستية وعسكرية، ولكن ضمن تفاهم جديد مع الدولة السورية.
هل تعود روسيا إلى تسليح الجيش السوري؟
يستبعد اليوسف عودة الوجود الروسي إلى الصيغة السابقة، ويرى أن الاتفاق الجديد يمثل محاولة للوصول إلى صيغة تضمن استمرار العلاقات مع موسكو، مع إعادة تنظيم وجودها داخل سوريا.
ويشير إلى أن التعاون العسكري يمكن أن يركز على إعادة تأهيل المعدات والآليات والذخائر الموجودة لدى الجيش السوري، والاستفادة من الخبراء الروس في المجالات الفنية التي تحتاج إلى خبرة متخصصة.
في المقابل، يرى بريجع أن أي توسع مستقبلي في التعاون العسكري قد يبدأ بملفات الصيانة وقطع الغيار، قبل الانتقال، في حال توافرت الظروف السياسية والتمويلية المناسبة، إلى تحديث المعدات وربما إبرام عقود تسليح جديدة.
لكنه يستبعد عودة العلاقة العسكرية بين دمشق وموسكو إلى النموذج السابق نفسه، في ظل سعي سوريا إلى بناء علاقات متوازنة مع روسيا وتركيا والدول العربية والولايات المتحدة والدول الأوروبية.
خطوات سورية لمتابعة تنفيذ الاتفاق
تزامنت التحركات الروسية في طرطوس مع خطوات سورية لمتابعة تنفيذ مذكرة التفاهم بين دمشق وموسكو.
وفي 16 أيلول الحالي، أجرى رئيس هيئة الأركان العامة في وزارة الدفاع، اللواء علي النعسان، برفقة عدد من القادة العسكريين، جولة في مطار حميميم، أعقبتها اجتماعات مع مسؤولين وقادة روس.
كما أجرى وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، برفقة رئيس هيئة الأركان وقادة عسكريين، زيارة إلى مطار اللاذقية، حيث التقى مسؤولين روسًا في إطار متابعة الخطوات التنفيذية لمذكرة التفاهم.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع وصول القافلة البحرية الروسية إلى طرطوس، لتضع الاتفاق الجديد أمام اختبار ميداني يتعلق بكيفية التوفيق بين استمرار التعاون والإمداد العسكري من جهة، واستعادة الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية وإعادة تعريف طبيعة الوجود الروسي من جهة أخرى.
روسيا بين دمشق وتركيا والولايات المتحدة
من المتوقع أن تتأثر المرحلة المقبلة أيضًا بعلاقات دمشق مع تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ويرى بريجع أن تركيا ستراقب طبيعة الوجود الروسي في سوريا، في ظل سعي أنقرة إلى لعب دور في إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية السورية.
أما الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يتركز اهتمامها على مدى بقاء الحضور الروسي ضمن نطاق لوجستي وتدريبي محدود، أو تحوله مجددًا إلى منصة عمليات روسية واسعة في شرق المتوسط.
وبالنسبة إلى الدول الأوروبية، فإن طبيعة الوجود الروسي وحدوده ستكون أكثر أهمية من مجرد استمرار وجود عسكري روسي في طرطوس أو حميميم.
وفي المقابل، تحاول دمشق، وفق قراءة بريجع، بناء سياسة تقوم على التوازن بين عدة شركاء دوليين، بما يقلل من قدرة أي طرف خارجي على احتكار القرار العسكري السوري.
ماذا يعني وصول السفن الروسية إلى طرطوس؟
لا تكفي القافلة البحرية الروسية التي وصلت إلى ميناء طرطوس وحدها للحسم بأن روسيا أعادت وجودها العسكري إلى ما كان عليه سابقًا، لكنها تشير إلى استمرار موسكو في الحفاظ على قدراتها اللوجستية والعسكرية في الساحل السوري.
ويبقى الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة مرتبطًا بطريقة تنفيذ مذكرة التفاهم التي أبرمتها دمشق وموسكو في 9 آب، خصوصًا ما يتعلق بإدارة المنشآت المدنية، وطبيعة عمل مراكز التدريب المشتركة، وحجم الوجود العسكري الروسي، وصلاحياته، ومستوى التعاون في التدريب والصيانة وإعادة تأهيل المعدات والتسليح.
وبذلك، لا يبدو أن السؤال الأساسي في المرحلة الحالية هو ما إذا كانت روسيا ستغادر سوريا أم ستبقى، وإنما كيف سيعاد تعريف وجودها، وما الصلاحيات التي ستحتفظ بها، وما حجم الدور الذي ستمنحه دمشق لموسكو داخل قواعدها ومنشآتها العسكرية، في ظل محاولة سوريا إعادة رسم علاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية.
إقرأ أيضاً: ما وراء التعزيزات الروسية الأخيرة إلى طرطوس وحميميم؟
إقرأ أيضاً: من القواعد إلى «مراكز التدريب».. ماذا بقي لروسيا في الساحل السوري؟