من القواعد إلى «مراكز التدريب».. ماذا بقي لروسيا في الساحل السوري؟
لم تعد القواعد الروسية على الساحل السوري مجرد مواقع عسكرية تؤشر إلى حجم النفوذ الذي امتلكته موسكو في سوريا خلال العقد الماضي، بل تحولت إلى اختبار جديد لحدود السيادة التي تستطيع الحكومة السورية الانتقالية استعادتها، وسط شبكة معقدة من المصالح الروسية والسورية والإقليمية.
وأعلنت وزارة الخارجية السورية، الأحد 9 آب، التوصل إلى تفاهم مع موسكو يقضي بتسلّم الجانب السوري إدارة المنشآت ذات الطابع المدني التي كانت روسيا تديرها، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس.
وبحسب الوزارة، اتفق الطرفان كذلك على تحويل القواعد العسكرية الروسية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، على أن تستكمل عملية التحويل خلال ثلاثة أشهر. وتقول دمشق إن التفاهم جاء بعد نحو عام ونصف من المفاوضات، وإنه يمثل خطوة أساسية نحو إعادة صياغة العلاقات السورية–الروسية.
لكن خلف اللغة الدبلوماسية الهادئة، تبرز أسئلة أكثر صعوبة: هل يمثل الاتفاق استعادة فعلية للسيطرة السورية على مواقع كانت لسنوات خارج القرار الوطني، أم أنه مجرد إعادة تعريف للوجود الروسي بما يتلاءم مع مرحلة سياسية جديدة؟
انسحاب عسكري أم إعادة تموضع؟
تسلّمت الجهات السورية المواقع التجارية التي كانت تشغلها روسيا في مرفأ طرطوس، بما فيها الرصيف الرابع والمنشآت والمستودعات التابعة له، فيما جرت زيارة رسمية إلى مطار اللاذقية الدولي عقب توقيع مذكرة التفاهم لمتابعة جاهزيته وواقع مرافقه.
ويأتي ذلك بعد أشهر من التصريحات المتضاربة حول مستقبل الوجود الروسي. ففي الوقت الذي تحدثت فيه موسكو عن إمكانية تحويل قواعدها إلى مراكز إنسانية ولوجستية، أشار الرئيس السوري أحمد الشرع في وقت سابق إلى ترتيبات لتحويلها إلى مراكز لتدريب الجيش السوري.
هذا التباين لم يكن تفصيلاً عابراً، بل كشف غموضاً مستمراً في طبيعة الاتفاقات التي تحكم المرحلة الانتقالية، وترك الرأي العام أمام روايات متبدلة حول مستقبل مواقع يفترض أن تكون جزءاً من السيادة السورية الواضحة.
الساحل بعد عقد من النفوذ الروسي
منذ تدخلها العسكري المباشر في سوريا عام 2015، بنت روسيا شبكة واسعة من المواقع العسكرية واللوجستية، كان أبرزها قاعدتا حميميم الجوية وطرطوس البحرية، اللتان تحولتا إلى ركيزتين أساسيتين للوجود الروسي في شرق المتوسط.
ومع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، بدأت الخريطة العسكرية الروسية بالانكماش. وتراجع عدد المواقع الروسية تدريجياً، وصولاً إلى انحصار الوجود العسكري في الساحل، قبل أن تصبح حميميم وطرطوس أبرز نقطتي ارتكاز لموسكو في سوريا.
غير أن تقليص الانتشار العسكري لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ. فروسيا التي خسرت جزءاً كبيراً من حضورها الميداني ما تزال تملك أوراقاً سياسية واستراتيجية، بينما تحتاج الحكومة السورية الانتقالية إلى إدارة العلاقة معها من دون الوقوع في تبعية جديدة أو تحويل المصالح الاقتصادية والأمنية إلى بديل عن السيادة.
اختبار جديد للحكومة الانتقالية
تراهن دمشق على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع موسكو، رغم إرث التدخل الروسي ودعم نظام الأسد خلال سنوات الحرب. وأجرى الشرع زيارتين إلى موسكو، إلى جانب اتصالات وزيارات لمسؤولين سوريين في المستويات السياسية والعسكرية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع مذكرات التفاهم، بل في ما ستنتجه على الأرض. فاستعادة إدارة مطار أو رصيف تجاري لا تكفي وحدها لإثبات استعادة الدولة لقرارها، إذا بقيت الترتيبات الأمنية والعسكرية والاقتصادية محكومة بتوازنات خارجية.
وتقف الحكومة السورية الانتقالية أمام اختبار حساس: أن تحول الانسحاب العسكري الروسي الجزئي إلى استعادة فعلية للسيادة، لا إلى إعادة تدوير للنفوذ تحت عناوين جديدة. فـ«مراكز التدريب المشتركة» قد تكون خطوة نحو بناء مؤسسة عسكرية وطنية، لكنها قد تصبح أيضاً صيغة تحفظ لموسكو موطئ قدم طويل الأمد إذا غابت الشفافية، وتحديد الصلاحيات، والرقابة السورية الكاملة.
وفي بلد خرج لتوه من عقود من الارتهان الخارجي، تبدو المسألة أبعد من مجرد تغيير أسماء المواقع. إنها معركة على من يملك القرار، ومن يدير الأرض، ومن يرسم حدود النفوذ. وما لم تستطع الحكومة الانتقالية تحويل هذه التفاهمات إلى سيطرة مؤسسية واضحة، فقد لا يكون ما يتغير في الساحل سوى شكل النفوذ، لا جوهره.
اقرأ أيضاً: روسيا تعيد ترتيب أوراقها في سوريا.. قواعد عسكرية ثابتة ونفوذ اقتصادي يتجدد