زيوت السيارات المكررة في الرقة.. تجارة تعود من الورش إلى المحركات وسط رقابة غائبة

في أسواق الرقة، قد لا يكون ما يسكبه السائق داخل محركه هو بالضرورة ما تقوله العبوة. فخلف عبوات تحمل أسماء وألواناً مألوفة، تنشط سوق لإعادة تكرير الزيوت المستعملة، تبدأ من براميل تجمع بقايا الزيوت المحروقة من السيارات والورش، وتنتهي أحياناً بعبوات تعود إلى المتاجر على أنها منتج جديد.

القصة بدأت بالنسبة لعلاء المحمد بعد تبديل زيت سيارته “هيونداي فان ستاريكس”. وبعد أيام ظهر بخار من أعلى المحرك، قبل أن يكتشف نقص نحو لتر ونصف من الزيت. وعندما عاد إلى المتجر، قيل له إن خطأ وقع بين العبوات، وإن الزيت المكرر وُضع له بدلاً من الجديد.

قد يبدو الأمر خطأ فردياً، لكنه يكشف ثغرة أكبر: منتج يستطيع المستهلك العادي صعوبة التمييز بينه وبين الزيت الأصلي، بينما لا تملك الجهات الرقابية في الرقة، وفق مسؤوليها، حتى الآن أدوات كافية لفحص الجودة محلياً.

من الزيت المحروق إلى عبوة جديدة

تبدأ الدورة من متاجر الزيوت التي تجمع الزيت المستعمل وتبيعه لجهات تنقله إلى ورش التكرير. وهناك يخضع الزيت لعمليات فصل وترشيح وتسخين وإضافة مواد كيميائية، قبل إعادة استخدامه لأغراض مختلفة.

المشكلة لا تكمن في إعادة تدوير الزيت بحد ذاتها، بل في لحظة انتحال الصفة: عندما يتحول زيت مكرر مخصص لأغراض محدودة إلى “زيت محرك جديد” أو مستورد.

ويؤكد ميكانيكيون أن اللون واللزوجة لا يكفيان للحكم على جودة الزيت، وأن الضرر قد لا يظهر فوراً، بل يبدأ من ارتفاع الاحتكاك وظهور الرواسب، وقد يمتد إلى المحامل وعمود الكامات والمكابس والشاحن التوربيني.

وفي السيارات الحديثة، حيث تعتمد المحركات على درجات دقيقة من اللزوجة والإضافات الكيميائية، قد يتحول الزيت غير المطابق إلى فاتورة إصلاح ثقيلة تتجاوز ثمن العبوة بأضعاف.

الرقابة خارج الرقة.. والمستهلك في المنتصف

تكمن إحدى أكثر مفارقات القضية وضوحاً في أن الجهات الرقابية نفسها تقر بوجود فجوة في أدواتها. مسؤول في مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك قال إن المديرية لا تملك حالياً المختصين أو الآلية اللازمة لتحديد جودة الزيوت، بينما قال مدير خدمات الطاقة في الرقة مصطفى الجاسم إن المديرية لم تتلق حتى الآن طلبات لترخيص ورش تكرير الزيوت.

أما العينات التي تسحبها الدوريات من المشتقات النفطية، فتُرسل إلى محافظات أخرى بسبب غياب مخبر متخصص في الرقة.

وهكذا تصبح عملية ضبط المنتج رهناً بالقدرة على إرساله خارج المحافظة وفحصه هناك، فيما يبقى السوق مفتوحاً أمام منتج لا يستطيع المواطن التحقق من حقيقته بمجرد النظر إليه.

القانون موجود.. لكن أين التطبيق؟

يمنح قانون حماية المستهلك السوري رقم 8 لعام 2021 المستهلك حق الحصول على منتج مطابق للمواصفات، ويحظر تقديم بيانات مضللة حول مصدره أو نوعه أو جودته.

لكن وجود النص القانوني لا يحمي محرك السيارة من زيت مغشوش ما لم توجد منظومة قادرة على كشفه قبل وصوله إلى المستهلك.

وهنا تظهر مسؤولية الحكومة السورية بوضوح: تنظيم ورش التكرير، تحديد استخدامات الزيت المعاد تدويره، إنشاء مخبر متخصص في الرقة، وتشديد الرقابة على العبوات ومسارات التوزيع ليست إجراءات تكميلية، بل الحد الأدنى لحماية سوق مفتوحة أمام الغش.

أما استمرار غياب الترخيص والمختبر المتخصص، مع اعتماد المواطن على “النية الحسنة” للبائع، فيعني أن الحكومة تراقب السوق بأدوات أضعف من حجم المشكلة.

وفي النهاية، لا يشتري السائق زيتاً فقط؛ إنه يشتري ثقة بأن ما سيدخل محركه لن يتحول بعد أسابيع إلى عطل وفاتورة جديدة. وعندما تصبح هذه الثقة نفسها سلعة مفقودة، فإن المشكلة لا تعود في الزيت وحده، بل في منظومة الرقابة التي تركت المستهلك يتعرف على الغش بعد أن يبدأ المحرك بالدخان.

 

اقرأ ايضاً: قرار “تقطيع السيارات” في المناطق الحرة بسوريا: إنقاذ للمستثمرين أم تحويل البلاد إلى مقبرة للخردة؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.