نفط العراق يمر عبر سوريا إلى العالم.. بانياس بوابة طاقة جديدة أم فرصة اقتصادية مهدورة؟

لم تكن الطريق من الحدود العراقية إلى ميناء بانياس مجرد مسار لنقل شحنات نفطية عابرة، بل تحولت خلال أشهر قليلة إلى اختبار جديد لقدرة سوريا الانتقالية على استثمار موقعها الجغرافي في لحظة إقليمية استثنائية. فآلاف الصهاريج التي تشق الأراضي السورية محملة بالفيول العراقي باتجاه الساحل، تحمل معها سؤالاً أكبر من حجم الشحنات نفسها: هل تتحول سوريا إلى عقدة طاقة إقليمية، أم تبقى مجرد ممر عبور يحصل على رسوم محدودة بينما تذهب القيمة الأكبر إلى الآخرين؟

بدأ المسار كحل طارئ فرضته أزمة مضيق هرمز، التي كشفت هشاشة طرق تصدير الطاقة التقليدية، قبل أن يتحول تدريجياً إلى قناة تجارية تصل العراق بالبحر المتوسط، ومنه إلى أسواق تمتد من أوروبا وصولاً إلى الولايات المتحدة. وفي تطور لافت، وصلت أولى شحنات الفيول العراقي المنقولة عبر سوريا إلى السوق الأميركية، في مؤشر على اتساع الدور الجغرافي لميناء بانياس.

لكن خلف الصورة التي تقدمها الحكومتان السورية والعراقية بوصفها نجاحاً لوجستياً، تظهر معادلة أكثر تعقيداً؛ فالسوق السورية لم تتحول إلى مركز إنتاج أو توزيع للطاقة، بل تستضيف عملية عبور تعتمد أساساً على الشاحنات والخزانات والمنشآت القائمة، فيما يبقى العائد الاقتصادي السوري محدوداً مقارنة بحجم الحركة النفطية التي تمر عبر أراضيها.

بانياس يستعيد دوره.. ولكن بإمكانات محدودة

منذ نيسان الماضي، بدأت قوافل الصهاريج العراقية بالوصول إلى مصفاة بانياس، حيث أعلنت الشركة السورية للبترول أن التدفقات قد تصل إلى نحو 500 ألف طن شهرياً. كما دخلت مئات الصهاريج يومياً عبر معبر التنف باتجاه مواقع التخزين في بانياس وحمص ومناطق أخرى.

ومع ذلك، فإن الاعتماد على النقل البري يضع سقفاً واضحاً لهذا المسار؛ فالصهاريج مهما بلغ عددها لا تستطيع منافسة خطوط الأنابيب والموانئ النفطية الكبرى. وهذا يعني أن بانياس في وضعها الحالي ليست بديلاً كاملاً عن موانئ العراق الجنوبية، بل ممر احتياطي يمنح بغداد مرونة إضافية في مواجهة أزمات الإمداد.

المعادلة الحقيقية ستبدأ في حال الانتقال من مرحلة الصهاريج إلى مرحلة البنية الاستراتيجية، عبر إعادة تأهيل خطوط الأنابيب القديمة أو إنشاء مشاريع جديدة تربط العراق بالساحل السوري. وهنا تحديداً يظهر التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية الانتقالية، التي لا تزال تتعامل مع الموقع الجغرافي لسوريا كميزة سياسية أكثر منه مشروعاً اقتصادياً متكاملاً.

فرصة اقتصادية وسط غياب الرؤية السورية

لا شك أن مرور النفط العراقي يوفر لسوريا إيرادات من رسوم العبور وخدمات التخزين والنقل والتشغيل، إلا أن غياب أرقام واضحة حول حجم العائدات يكشف محدودية الشفافية في إدارة ملف اقتصادي حساس.

فالفرصة التي أوجدتها أزمة هرمز لا تكفي وحدها لصناعة مركز طاقة إقليمي. تحتاج سوريا إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتحديث الموانئ، وتأهيل شبكات النقل، وبناء بيئة قانونية واقتصادية قادرة على جذب الشركات الدولية. لكن الواقع الحالي يشير إلى أن الحكومة الانتقالية ما زالت تتحرك ضمن حدود إدارة الأزمة، لا ضمن رؤية طويلة الأمد لتحويل الموقع السوري إلى أصل اقتصادي منتج.

في الوقت الذي سارعت فيه دول خليجية إلى تطوير بدائل استراتيجية مثل خطوط الأنابيب والموانئ خارج مضيق هرمز، تبدو سوريا متأخرة في استثمار موقعها، رغم امتلاكها شريطاً ساحلياً وموقعاً يربط آسيا بالبحر المتوسط.

بين ممر مؤقت ومركز إقليمي للطاقة

يمثل المسار العراقي ـ السوري فرصة نادرة لإعادة إدماج سوريا في خريطة التجارة الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم الفجوة بين الإمكانات المتاحة والقدرة على استثمارها.

فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الصهاريج ستعبر الأراضي السورية، بل ما الذي ستتركه خلفها. فإذا بقيت سوريا مجرد طريق إسفلتي بين المنتج والمستهلك، فإن العائد سيبقى محدوداً، أما إذا تمكنت من بناء منظومة طاقة ولوجستيات حقيقية، فقد يتحول بانياس من محطة عبور فرضتها أزمة إلى مركز اقتصادي دائم على المتوسط.

حتى الآن، تبدو المعادلة أقرب إلى فرصة تمر عبر سوريا أكثر من كونها فرصة صنعتها سوريا.

 

اقرأ ايضاً: مساعٍ أمريكية عراقية سورية لإعادة تشغيل خط أنابيب “كركوك – بانياس” النفطي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.