خبز القورية يُخبز خارج المدينة.. عجز الأفران يترك 80 ألف نسمة أمام طوابير وبدائل مكلفة

في القورية بريف دير الزور الشرقي، لم يعد الحصول على ربطة الخبز المدعوم مسألة يومية عابرة، بل تحول إلى عبء يتكرر مع كل يوم جديد. مدينة يقدر عدد سكانها بنحو 80 ألف نسمة تعتمد على فرن حكومي واحد يعمل بطاقة محدودة، فيما تُخبز أجزاء من مخصصاتها في الميادين والعشارة قبل أن تعود إليها عبر المعتمدين.

وبين تأخر وصول الخبز، ومحدودية الكميات، وشكاوى من تفاوت التوزيع ووزن الربطة وجودة الرغيف، يجد السكان أنفسهم أمام خدمة أساسية لم تستطع الجهات المعنية تأمينها من مصدرها الطبيعي داخل المدينة منذ نحو عام ونصف.

ربطة واحدة لأسرة تحتاج ثلاثاً

يقول رمضان العماش إن عائلات كثيرة لا تحصل يومياً إلا على ربطة واحدة، بينما تحتاج أسرته إلى ثلاث ربطات، ما يدفع السكان أحياناً إلى التوجه نحو العشارة والميادين بحثاً عن كميات إضافية.

ويضيف أن الخبز يصل إلى الأهالي عبر المعتمدين بعد نحو ست أو سبع ساعات من إنتاجه، ما ينعكس على جودته، إلى جانب ملاحظات متكررة على حجم الرغيف ووزن الربطة.

أما مهند الأحمد، فيشير إلى أن النقص يدفع بعض العائلات إلى شراء الخبز من السوق بأسعار أعلى، أو اللجوء إلى الخبز السياحي، لتصل الكلفة اليومية لبعض الأسر إلى نحو 180 ليرة جديدة، مقارنة بسعر 60 ليرة للربطة في المخبز.

ويضيف أن تفاوت التوزيع يثير أيضاً شكاوى من المحسوبيات، إذ يعتقد بعض السكان أن العلاقات الشخصية تؤثر في حصول بعض الأشخاص على كميات أكبر، بينما ينتظر آخرون لساعات من دون الحصول على حاجتهم.

الفرن الوحيد لا يكفي مدينة كاملة

توضح دائرة المواد والأمن الغذائي في ريف دير الزور أن مخبز الخلف هو الفرن الحكومي الوحيد العامل في القورية، بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 2.4 طن، أي قرابة 2300 ربطة يومياً، وهي كمية لا تكفي سكان المدينة.

أما مخبز الكرامة الخاص، بطاقة 2.2 طن، فهو متوقف بعد احتراق مولد الكهرباء وتعطل عدد من تجهيزاته، ما عمّق الفجوة بين الطلب والإنتاج.

وبدل معالجة أصل المشكلة، اضطرت الجهات المعنية إلى نقل جزء من مخصصات القورية إلى مخبز بلدية الميادين ومخبز العشارة الاحتياطي، ثم إعادة نقل الإنتاج يومياً إلى المدينة.

هذه الآلية قد تسد جزءاً من العجز مؤقتاً، لكنها تعني عملياً أن سكان القورية لا يحصلون على خبزهم من فرن داخل مدينتهم، بل من شبكة نقل وتوزيع تضيف ساعات انتظار ومخاطر تراجع الجودة.

وعود بإعادة الخبز إلى القورية

تقول الدائرة إن الجهات المختصة رفعت مخصصات المخبز العامل، وزادت الكميات المخصصة للقورية من مخبز العشارة، بالتوازي مع اعتماد معتمدين تحددهم البلدية.

كما تؤكد استمرار الرقابة على المخبز والأسواق، وتنظيم ضبوط تتعلق بنقص الوزن ورداءة الجودة.

لكن الحل الذي يمكن أن ينهي الأزمة فعلياً ما يزال مؤجلاً إلى حين تأهيل مخبز القورية. وتقول الدائرة إنه جرى التعاقد مع المؤسسة السورية للمخابز لتجهيزه وإعادته إلى الخدمة، بعد أن أُجريت معاينات تمهيداً لأعمال الصيانة.

وهنا تظهر المشكلة الحكومية بوضوح: الحاجة إلى خبز مدينة كاملة لا ينبغي أن تبقى مرتبطة بخطة إسعافية تعتمد على مخابز بلدات أخرى، ولا أن يتحول العجز الفني لفرن واحد إلى أزمة يومية لآلاف الأسر.

فالمطلوب ليس فقط زيادة كمية الخبز، بل إعادة بناء القدرة الإنتاجية داخل المدينة، وضمان توزيع عادل وشفاف، ومراقبة الوزن والجودة، وإنهاء حالة الاعتماد على الحلول المؤقتة.

وفي القورية، يبدو أن الرغيف لا يزال يقطع مسافة طويلة قبل أن يصل إلى صاحبه، بينما يبقى السؤال الأهم معلقاً: متى يصبح للمدينة فرن قادر على خبز كامل مخصصاتها، بدلاً من أن تُخبز حاجتها في مدن أخرى؟

 

اقرأ أيضا: الحسكة تفقد الخبز والوقود.. نزوح يومي وشلل اقتصادي يضرب المحافظة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.