لحوم مكشوفة في شوارع ريف دمشق.. رقابة لاحقة ومخاطر تبدأ من الطريق
لم يعد مشهد شاحنة مكشوفة تحمل اللحوم النيئة في أحد شوارع ريف دمشق مجرد مخالفة عابرة، بعدما أعاد تداول المقطع المصور فتح سؤال أوسع عن الطريقة التي تصل بها اللحوم إلى موائد السوريين، ومدى قدرة الجهات الرقابية على منع المخالفات قبل أن تصبح خطراً صحياً.
فاللحوم مادة شديدة الحساسية للتلوث، ونقلها مكشوفة تحت الشمس وبين الغبار وعوادم السيارات والحشرات يعني ببساطة وضعها في بيئة مثالية لتدهور جودتها، في وقت ما تزال فيه الرقابة تعتمد في جانب منها على ضبط المخالفة بعد وقوعها، بدلاً من منعها من الطريق.
شكاوى وضبوط.. لكن المخالفات مستمرة
يقول رئيس دائرة حماية المستهلك في ريف دمشق عبد الله درباس إن المديرية تلقت شكوى بشأن نقل لحوم مكشوفة ومعرضة لدرجات حرارة مرتفعة، واتخذت الإجراءات القانونية بحق المخالفين، موضحاً أن الجولات اليومية تشمل مراقبة وسائل النقل وظروف التخزين والتبريد ومصدر اللحوم وفواتير تداولها.
وتشمل الإجراءات، بحسب المديرية، سحب عينات وإحالتها إلى المختبرات، وفرض الغرامات والإغلاق الإداري ومصادرة اللحوم الفاسدة وإتلافها.
وفي حلب ودير الزور، تتكرر الآلية نفسها: ضبوط، غرامات، إغلاقات، ومتابعة عبر الدوريات والحواجز، مع تنسيق بين التجارة وحماية المستهلك والأمن الداخلي والمرور والجهات الخدمية.
لكن تعدد الضبوط في أكثر من محافظة يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً من مجرد تسجيل المخالفة: لماذا تستمر وسائط النقل غير المطابقة بالوصول إلى الأسواق أصلاً؟
اللحوم لا تحتمل الانتظار
يوضح مختصون في الصحة العامة أن الخطر يبدأ سريعاً عندما تخرج اللحوم من شروط التبريد. فارتفاع درجات الحرارة يوفر بيئة مناسبة لتكاثر البكتيريا، فيما يضيف ترك اللحم مكشوفاً احتمالات التلوث بالغبار والحشرات وعوادم المركبات.
وتزداد حساسية الفروج خصوصاً بسبب سرعة فساد المنتجات الطازجة، فيما قد ترتبط الملوثات بجراثيم مثل السالمونيلا والكامبيلوباكتير والإشريشيا كولي والمكورات العنقودية، وما يمكن أن تسببه من اضطرابات هضمية وحالات تسمم متفاوتة الشدة.
ويشير المختصون إلى ضرورة حفظ اللحوم الطازجة عند درجات تبريد مناسبة، ونقلها داخل مركبات مغلقة ومجهزة، بعيداً عن التلوث الخارجي ومصادر الحرارة.
حماية المستهلك لا تبدأ عند باب المحل
المشكلة في النهاية ليست غياب القوانين، فالجهات المختصة تؤكد وجود شروط واضحة وعقوبات وإجراءات رقابية. المشكلة في الفجوة بين النص والتطبيق، وفي ضعف القدرة على مراقبة كل مراحل انتقال اللحوم من المسلخ إلى المستودع فالسيارة ثم السوق.
وهنا تواجه الحكومة السورية الانتقالية اختباراً خدمياً وصحياً مباشراً: هل تكفي الحملات والضبوط بعد وصول اللحوم المخالفة إلى الأسواق، أم أن المطلوب منظومة رقابة تبدأ قبل تحميل المركبة وتتابع مسار الشحنة حتى نقطة البيع؟
فإذا كان المواطن مطالباً بالثقة بأن الطعام الذي يشتريه آمن، فإن هذه الثقة لا تُبنى بكثرة المخالفات المسجلة، بل بقدرة الدولة على منع المخالفة قبل أن تصل إلى مائدته.
وفي ظل ضعف الإمكانات، ونقص بعض وسائل النقل المبرد، وتفاوت القدرة الرقابية بين المحافظات، يبقى الطريق الذي تقطعه اللحوم جزءاً من سلسلة الخطر نفسها. وفي هذه السلسلة، قد يكون الفرق بين غذاء صالح للاستهلاك وحالة تسمم مجرد غطاء لم يوضع، أو تبريد لم يعمل، أو رقابة وصلت متأخرة.
اقرأ أيضاً: ارتفاع أسعار اللحوم في سوريا يوسع سوق المجمّد مجهول المصدر