رغم حديث الحكومة عن الاكتفاء الدوائي.. الصناعة الدوائية السورية تواجه فجوة الإنتاج والاستثمار والرقابة
بينما تؤكد الحكومة السورية الانتقالية أن الصناعة الدوائية السورية تؤمن أكثر من 80 بالمئة من احتياجات السوق، لا يزال الواقع الصحي يكشف صورة أكثر تعقيداً، إذ يواجه القطاع الدوائي تحديات متراكمة تتراوح بين تضرر البنية الصناعية، واعتماد البلاد على استيراد الأدوية النوعية، وضعف الرقابة، وارتفاع الأسعار، ما يجعل الاكتفاء المعلن أقرب إلى مؤشر كمي لا يعكس بالضرورة واقع الأمن الدوائي الذي يلمسه السوريون.
فبعد سنوات من الحرب والانهيار الاقتصادي، لم تستعد الصناعة الدوائية كامل قدرتها الإنتاجية، في وقت تتزايد فيه حاجة السوق إلى أصناف متخصصة لا تزال تُستورد، بينما يواجه المرضى صعوبات متكررة في الحصول على بعض الأدوية الأساسية، وسط تقلبات مستمرة في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
اكتفاء رقمي… وثغرات في الأدوية النوعية
معاون وزير الصحة للشؤون الصيدلانية هاني البغدادي أعلن أن الإنتاج المحلي يغطي أكثر من 80 بالمئة من احتياجات السوق، مؤكداً أن الوزارة تعمل على إعادة تأهيل المعامل المتضررة، وتقديم التسهيلات للمستثمرين، وتوسيع الإنتاج، مع منح الأولوية للمشروعات التي تستهدف تصنيع الأدوية النوعية التي لا تزال تعتمد على الاستيراد.
غير أن هذا الاعتراف بوجود فجوة في إنتاج الأدوية المتخصصة يسلط الضوء على واحدة من أبرز نقاط ضعف القطاع، إذ إن الأدوية الأكثر حساسية من الناحية العلاجية ما تزال خارج دائرة التصنيع المحلي، الأمر الذي يبقي الأمن الدوائي السوري رهينة الأسواق الخارجية وتقلبات الاستيراد وأسعار القطع الأجنبي.
استثمارات مؤجلة… وإصلاحات بطيئة
وتتحدث وزارة الصحة عن تحديد فرص استثمارية جديدة، وتبسيط الإجراءات، وتشجيع رؤوس الأموال للدخول إلى القطاع، بالتوازي مع دعم مشروع استثماري لإنتاج الأدوية النوعية، باعتباره جزءاً من استراتيجية توطين الصناعات الدوائية.
إلا أن هذه الوعود تأتي في وقت لا تزال فيه بيئة الاستثمار تعاني من تحديات هيكلية، تشمل ضعف البنية التحتية، وتعقيد الإجراءات، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وعدم استقرار البيئة الاقتصادية، وهي عوامل تجعل جذب الاستثمارات أكثر صعوبة مما تعكسه التصريحات الرسمية.
ويخشى مختصون أن تبقى الخطط الحكومية حبيسة الاجتماعات والوعود إذا لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية وتشريعية حقيقية تعيد الثقة للمستثمرين، وتوفر بيئة إنتاج مستقرة قادرة على المنافسة.
الرقابة… الحلقة التي تحتاج إلى استعادة الثقة
وفي موازاة خطط التوسع الصناعي، تؤكد وزارة الصحة أنها تعمل على تطوير منظومة الرقابة الدوائية، وإنشاء هيئة رقابية مستقلة وفق المعايير الدولية، مع استمرار حملات التفتيش وسحب العينات وإجراء الاختبارات المخبرية على المنتجات المحلية.
ورغم أهمية هذه الخطوات، فإن الثقة بالرقابة لا تُبنى بالإعلانات، بل بوجود مؤسسات مستقلة وشفافة قادرة على فرض المعايير على جميع المنتجين دون استثناء، خاصة في قطاع يرتبط مباشرة بصحة المواطنين.
وفي ظل استمرار نقص بعض الأصناف الدوائية، وارتفاع أسعار أخرى، وتأخر تعافي القطاع الصناعي، تبدو تصريحات الحكومة السورية الانتقالية حول الاكتفاء الدوائي أقرب إلى هدف تسعى إليه أكثر من كونها واقعاً مكتمل الأركان. فالصناعة الدوائية لا تُقاس بنسبة الإنتاج وحدها، بل بقدرتها على توفير جميع الأدوية الأساسية والنوعية بجودة مضمونة وأسعار مقبولة، وهو تحدٍ ما تزال الحكومة بعيدة عن حسمه رغم الوعود المتكررة بإعادة بناء أحد أكثر القطاعات الحيوية في البلاد.
اقرأ أيضاً: ارتفاع الأسعار.. أزمة الدواء في سوريا