الرقة: مرضى غسيل الكلى بين الألم وتكاليف تفوق القدرة… منظومة صحية تترك المرضى في مواجهة مصيرهم
في محافظة الرقة، لا يبدو الفشل الكلوي هو العبء الوحيد الذي يثقل حياة المرضى، بل تتجاوزه تفاصيل يومية قاسية تجعل العلاج نفسه معركة مفتوحة مع الفقر. فبين ارتفاع أسعار الأدوية، وتضخم أجور النقل، وتراجع الدخل، يجد مئات المرضى أنفسهم في دائرة إنهاك لا تنتهي، حيث تتحول جلسة غسيل الكلى من علاج منقذ للحياة إلى كلفة شهرية مرهقة.
علاج على الورق… ومعاناة على الأرض
في قرية السلحبية الغربية بريف الرقة، يقطع عبد العزيز الشواخ نحو 35 كيلومتراً لإيصال زوجته إلى جلسات غسيل الكلى ثلاث مرات أسبوعياً. لكن حتى هذا الجهد لم يعد كافياً، في ظل أجور نقل قد تصل إلى 200 ألف ليرة للجلسة الواحدة، ما يجعل الالتزام الكامل بالعلاج شبه مستحيل.
يقول الشواخ إن كلفة التنقل وحدها قد تتجاوز 600 ألف ليرة أسبوعياً، في حين أن استخدام سيارة خاصة في بعض الأيام يرفع التكلفة إلى حدود 30 دولاراً للرحلة الواحدة، وهو مبلغ يفوق قدرته المادية. وبين جلسة وأخرى، يضطر أحياناً إلى التغيب عن العلاج بسبب العجز عن تغطية تكاليف النقل.
مدينة الرقة… مركز علاج مثقل بالضغط
داخل مستشفى الرقة الوطني، تتكرر الصورة ذاتها. أكثر من 300 مريض بالفشل الكلوي يعتمدون على مركز الغسيل الوحيد في المنطقة، حيث يجري نحو 3200 جلسة شهرياً عبر 40 جهازاً تعمل بشكل متواصل.
لكن هذا المركز، رغم كونه شريان حياة، لا يخفف سوى جزء من الأزمة. فالكلفة الفعلية للعلاج لا تتوقف عند حدود المستشفى المجاني، بل تمتد إلى الأدوية الأساسية والمكملات، إضافة إلى النقل الذي يلتهم الجزء الأكبر من دخل المرضى.
يقول عبد الفتاح المحيسن، أحد المرضى، إن ثلاث جلسات أسبوعياً تكلفه نحو 500 ألف ليرة، دون احتساب الأدوية. ويضيف أن المرضى القادمين من الريف يعانون أكثر، إذ قد تصل كلفة التنقل وحدها إلى 150 ألف ليرة للرحلة الواحدة.
أدوية ناقصة… وحياة معلّقة
لا يقتصر العبء على النقل، فالأدوية الأساسية مثل إبر الخضاب والكالسيوم والفيتامينات تُشكل عبئاً إضافياً، إذ قد تصل تكلفتها إلى أكثر من 130 ألف ليرة أسبوعياً للمريض الواحد. ومع غياب انتظام التوافر، يضطر بعض المرضى لشراء الأدوية على نفقتهم الخاصة أو الاستدانة لتأمينها.
ويؤكد مرافقون أن حتى الأدوية البسيطة لا تتوفر بشكل دائم، ما يزيد من هشاشة الوضع الصحي ويضاعف احتمالات التدهور المفاجئ لحالات المرضى.
نظام صحي مثقل… ودعم مؤقت
إدارة قسم الكلى في المستشفى تؤكد أن المركز يعمل بأقصى طاقته، لكنه ما يزال بحاجة إلى دعم إضافي لضمان استمرارية الخدمات. ورغم مساهمة بعض المنظمات الإنسانية في تأمين المستلزمات، إلا أن هذا الدعم يبقى مؤقتاً ولا يغطي الاحتياجات المتزايدة.
حياة بين الجلسة والجلسة
في المحصلة، يعيش مرضى الفشل الكلوي في الرقة بين معادلتين قاسيتين: علاج لا يمكن الاستغناء عنه، وكلفة لا يمكن تحملها. وبينهما، تتراجع قدرة كثيرين على الالتزام الكامل بجلسات الغسيل، ما يضع حياتهم في دائرة خطر مستمر.
وفي ظل غياب حلول جذرية لدعم النقل والأدوية وضمان استمرارية التمويل، تبقى معاناة هؤلاء المرضى عنواناً إضافياً لأزمة صحية أوسع، حيث يتحول الحق في العلاج إلى عبء يومي يحتاج إلى من ينجو منه بقدر ما يحتاج إلى من يوفره.
اقرأ أيضاً: مشافي سوريا: انهيار الطبابة المجانية وتحوّل المشافي إلى هياكل مفرغة