نقل معبر “المصنع”: اتفاق لبناني – سوري لتعزيز حماية الحدود ومواجهة “داعش” والتهريب

تتجه العلاقات الأمنية بين لبنان وسوريا نحو مرحلة جديدة من التنسيق المؤسساتي المباشر، مدفوعة برغبة إقليمية ودولية تهدف إلى تنظيم قنوات التواصل بين البلدين، وتأسيس آلية عمل منتظمة لمعالجة القضايا والملفات الأمنية المشتركة

نقل مركز «المصنع» وسد ثغرات التهريب

على الصعيد اللوجستي، أثمرت الاجتماعات الأخيرة اتفاقاً بين الجانبين على نقل المركز الحدودي في معبر المصنع إلى عقار محاذٍ يتبع إدارياً لمجدل عنجر، ليكون آخر نقطة عقارية تنظم العبور بين البلدين، بعدما كان المشروع معطلاً في السابق بسبب اعتراضات النظام السوري السابق حول عقارات متنازع عليها

ومن المقرر بدء تنفيذ المشروع عبر إنشاء مركز حدودي نموذجي يضم مكاتب الأمن العام والجمارك والجيش، بتمويل من الاتحاد الأوروبي والجهات المانحة الدولية عبر هبة تقدر بنحو 30 مليون دولار، تتضمن تجهيز المعبر بتقنيات حديثة لتعزيز الرقابة ومكافحة التهريب

ويتوقع أن تستغرق أعمال الإنشاء أكثر من عام نظراً لضرورة إجراء عمليات حفر في الجبل الواقع ضمن العقار، مما يسهم في سد الثغرة المسافاتية الحالية بين مركزي الجمارك اللبناني والسوري (12 كيلومتراً) والتي كان يستغلها المهربون للقيام بعملياتهم غير المشروعة، وذلك بحسب ما أفادت به صحيفة «الأخبار»

مسار التأسيس واجتماعات اللجنة المشتركة

بدأ هذا المسار التشاوري بإعادة رسم قنوات التواصل عبر تشكيل لجنة أمنية مشتركة أعقبت اجتماعاً حاسماً عُقد في بيروت خلال تشرين الثاني من العام الماضي، بمشاركة المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله، والمدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، إضافة إلى مساعد وزير الداخلية السوري للشؤون الأمنية اللواء عبد القادر طحّان الذي عُيّن لاحقاً رئيساً للاستخبارات السورية

وانتقلت اللجنة في اجتماعاتها الدورية على مستوى الضباط من وضع الإطار العام للتعاون إلى معالجة ملفات تقنية تخصصية، بمشاركة رئيس الدائرة الأمنية في الأمن العام العميد هادي أبو شقرا ممثلاً لوزارة الداخلية اللبنانية، ورئيس مكتب التعاون والتنسيق اللبناني – السوري العميد ميشال بطرس ممثلاً لقيادة الجيش اللبناني

أولويات دمشق ورؤية بيروت في التنسيق الاستباقي

حددت الأجهزة اللبنانية أولويات السلطة السورية الجديدة والتي تمحورت حول متابعة نشاط تنظيم «داعش»، والمجموعات المرتبطة بحزب الله، وتفكيك شبكات تهريب السلاح والمخدرات، فضلاً عن منع تسلل المطلوبين الذين قد يشكلون خلايا نائمة

وفي المقابل بلورت الجهات الأمنية اللبنانية المقاربة المشتركة مع دمشق، إذ ترتكز على مكافحة «داعش» ومنع إعادة تشكيل بنيته عبر تبادل الإنذارات المبكرة، ومراقبة التحركات المشبوهة، واتخاذ إجراءات استباقية لإحباط أي خرق أمني

وقد أثمر هذا المسار من «تراكم الثقة» تكثيفاً لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتفعيلاً لآليات ملاحقة المطلوبين الجنائيين وتسليمهم، إلى جانب رفع التنسيق الميداني ضبطاً للحدود ومكافحةً للتهريب والتسلل

نتائج ميدانية: كشف التفجيرات وتبادل المطلوبين

انعكس التعاون الاستخباراتي الوثيق بين البلدين بشكل مباشر على الأرض، حيث أسهمت الأجهزة اللبنانية في كشف ملابسات التفجير الأخير الذي نفذه تنظيم «داعش» في دمشق وتفكيك الخلية المسؤول عنه، بالنظر إلى الأولوية القصوى التي يوليها الطرفان لملاحقة خلايا التنظيم

كما امتد هذا التعاون إلى الملفات الجنائية، حيث شهدت الفترة الماضية نجاح الأجهزة اللبنانية في توقيف متورطين بخطف عائلة سورية وتسليمهم لدمشق، بعد تحرير أفراد العائلة وإعادتهم إلى سوريا

انتشار حرس الحدود وتبديد المخاوف العسكرية

تواصل اللجنة الأمنية اللبنانية – السورية استعداداتها لعقد اجتماعها المقبل خلال أيام، بالتوازي مع فتح قنوات اتصال مباشرة مع قائد فوج حرس الحدود السوري المُعيّن مؤخراً، في وقت استكملت فيه دمشق انتشارها الحدودي عبر ثلاث تشكيلات هي: حرس الحدود، والهيئة العامة للمنافذ والجمارك، ووحدات من الجيش السوري

ووفقاً لـ «الأخبار»، بات حرس الحدود السوري البالغ عديده نحو 20 ألف عنصر ينتشر من مقابل معبر العريضة في أقصى الشمال الغربي وصولاً إلى قبالة بلدة دير العشائر في راشيا شرقاً، ليعيد بذلك تغطية معظم الشريط الحدودي

ورغم خشية البعض من احتمال وقوع توغل سوري داخل الأراضي اللبنانية، جاءت رسائل التطمين المتتالية على لسان الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني لتزيل هذه المخاوف، إذ تشكلت قناعة لدى الأجهزة اللبنانية بأن الجيش السوري ينهمك حالياً في إعادة بناء مؤسساته ومعالجة تحدياته الداخلية، ولا يملك القدرة البشرية أو اللوجستية لخوض أدوار عسكرية خارج حدوده بسبب نقص العديد والعتاد والأزمة الاقتصادية الحادة

التحديات السياسية والتفاوت في مقاربة الملفات

على الرغم من التراجع التدريجي لهاجس الاحتكاك الأمني بفضل التنسيق الحدودي، إلا أن ذلك لم ينسحب بعد على مستوى العلاقات السياسية التي لا تزال بعيدة عن مسارها الطبيعي، في ظل استمرار محدودية الثقة وغياب الاختراقات الحقيقية رغم الزيارات الرسمية المتبادلة

وتعود هذه الفجوة إلى اختلاف رؤية دمشق وبيروت تجاه المفاوضات اللبنانية مع العدو الإسرائيلي، إضافة إلى تعقيدات العلاقات اللبنانية – التركية المرتبطة بملف الترسيم البحري مع قبرص، وتأثير الأجندة السعودية، فضلاً عن غياب رؤية لبنانية واضحة لتنظيم التعاون الاقتصادي مع سوريا في مرحلتها الجديدة.

 

اقرأ أيضاً:ماركو روبيو: حزب الله عدو للحكومة السورية الجديدة ويسعى لتقويض استقرار البلاد

اقرأ أيضاً:مباحثات ترامب وعون: ترتيبات أمنية على الحدود السورية اللبنانية ورفض لأي دور عسكري لدمشق

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.