حرائق الحسكة تلتهم الحقول وتخنق الطرقات.. كارثة زراعية جديدة في شرق سوريا

لم تكن النيران التي اجتاحت محافظة الحسكة، الثلاثاء، مجرد حرائق موسمية عابرة، بل بدت كأنها فصل جديد من مسلسل الاستنزاف الذي يطارد واحدة من أهم السلال الغذائية في سوريا. ففي ساعات قليلة تحولت مساحات واسعة من الحقول إلى رماد، واختنقت الطرق الدولية بالدخان، بينما وجد السكان أنفسهم مجددًا في مواجهة كارثة تتجاوز قدرة الإمكانات المحلية على الاحتواء.

الدخان يقطع الطريق بين الحسكة والقامشلي

امتدت الحرائق بشكل متزامن في عدة مناطق من أرياف الحسكة، لتزحف ألسنة اللهب نحو الطريق الدولي (M4) الرابط بين الحسكة والقامشلي، حيث غطت سحب الدخان الكثيفة مساحات واسعة من الطريق وأدت إلى شلل جزئي في حركة السير.

ومع تراجع مستوى الرؤية إلى حدود خطرة، وقعت عدة حوادث مرورية، فيما أطلقت الجهات المختصة تحذيرات عاجلة للسائقين بضرورة تجنب التنقل في المناطق المتضررة وتخفيف السرعة، في مشهد أعاد التذكير بمدى هشاشة البنية الخدمية أمام أي طارئ واسع النطاق.

القرى في مواجهة النار

في الريف الغربي للقامشلي، لم تعد الحرائق تهدد المحاصيل فقط، بل اقتربت من التجمعات السكنية نفسها. قرى كرصور ونيف وكرباوي وكفري سبي عاشت ساعات من القلق والترقب مع اقتراب النيران من المنازل والأراضي المحيطة بها.

ودفعت سرعة انتشار الحرائق، التي غذتها الرياح القوية ودرجات الحرارة المرتفعة، عشرات العائلات إلى مغادرة منازلها مؤقتًا، بينما بقي آخرون في خطوط المواجهة الأولى محاولين حماية ما تبقى من ممتلكاتهم بوسائل بدائية وسط محدودية الإمكانات.

خسائر تتجاوز القمح

لم تقتصر الأضرار على احتراق مئات الدونمات من القمح والأراضي الزراعية المحصودة، بل امتدت إلى مستودعات ومنازل ريفية ومنظومات طاقة شمسية، إضافة إلى تهديد منشآت حيوية ومناطق قريبة من مواقع استخراج النفط.

وفي الجوادية وحدها، أتت النيران على مئات الدونمات الزراعية وثلاثة مستودعات، فيما شهدت مناطق تل براك واليعربية ورميلان والقحطانية حرائق متزامنة وسريعة الانتشار، ما وسّع دائرة الخسائر الاقتصادية في محافظة تعتمد شريحة واسعة من سكانها على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.

استنفار واسع.. وإمكانات محدودة

أعلنت مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث حالة استنفار عامة، مع وصول مؤازرات من الرقة ودير الزور للمشاركة في عمليات الإخماد. كما تمكنت فرق الإطفاء من إنقاذ مركز حبوب المالكية ومنع امتداد النيران إلى صوامع الحبوب، في واحدة من أبرز عمليات التدخل خلال اليوم.

لكن حجم الحرائق واتساع رقعتها كشفا مرة أخرى هشاشة منظومة الاستجابة للكوارث في شمال شرقي سوريا، حيث تتداخل آثار التغير المناخي مع سنوات الحرب الطويلة وتراجع البنية التحتية وضعف التجهيزات الفنية.

موسم زراعي يحترق

تأتي هذه الحرائق بعد أيام فقط من موجة مشابهة شهدتها مناطق زركان وشال، ما يعزز مخاوف المزارعين من خسارة جزء إضافي من موسم زراعي يعاني أساسًا من الجفاف وارتفاع التكاليف وتراجع الدعم.

وفي محافظة تشكل خزانًا استراتيجيًا للحبوب السورية، تبدو الحرائق أكثر من مجرد حادث طارئ؛ إنها مؤشر جديد على حجم التحديات التي تواجهها مناطق الإنتاج الزراعي في ظل واقع اقتصادي هش، وإدارة انتقالية ما تزال عاجزة عن بناء منظومة حماية فعالة للموارد الزراعية التي تتآكل عامًا بعد آخر بين النار والجفاف والإهمال.

 

اقرأ أيضاً: حرائق الحصاد تلتهم سهل الغاب.. موسم القمح يتحول إلى خسائر في سهل أنهكته الأزمات

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.