واقع المرأة السورية بين جغرافية الريف وفرص المدينة: تباين الأدوار والتحديات

تتجسد في تفاصيل حياة النساء السوريات مفارقة واسعة بين واقع العيش في الريف والاتساع الذي تتيحه حياة المدن، حيث يلقي هذا التباين بظلاله المباشرة على طبيعة الأدوار والمساحة المتاحة للفرص.

تعتمد النساء في القرى والبيئات الزراعية بشكل رئيسي على الفلاحة وتربية المواشي كمصدر يتيم للدخل، وسط ظروف قاسية وأجور زهيدة.

وفي المقابل، تفتح أزقة المدن وحواضرها آفاقاً أرحب تتوزع بين مجالات التعليم والصحة والصناعة والتجارة، مما يوفر بيئة مرنة تدعم التحقق والاستقلال الاقتصادي.

ورغم مسعى الكثيرات للانتقال نحو المراكز الحضرية طلباً للاستقرار والرفاهية، تصر فئة أخرى على التمسك بالنمط التقليدي والارتباط بالأرض رغم كل العوائق، وهو ما يعكس اختلافاً عميقاً في أسلوب الحياة، ويطرح تساؤلات ملحة حول العدالة التنموية وتكافؤ الفرص بين القطاعين.

مشقة العمل الزراعي وتدني الأجور في القرى

تروي شمسة العبد، البالغة من العمر خمسين عاماً والقادمة من قرية تل براك بريف الحسكة  لموقع ”963+”، تفاصيل المعاناة اليومية التي تواجهها النساء هناك، مشيرة إلى أن حياتهن لا تقل قسوة عن أي منطقة أخرى بل قد تتجاوزها شدة.

ينحصر الاعتماد المعيشي للأهالي في الزراعة ورعاية الحيوانات، مع انعدام أي خيارات بديلة للعمل.

يبدأ اليوم الصحوي للجمهور النسائي قبل الفجر بالتوجه نحو الحقول للزراعة والسقاية، ليتبع ذلك الاعتناء بالمواشي وتأمين مياه الشرب عبر جلبها من آبار بعيدة ونقلها على الرؤوس لمسافات طويلة، وهي أعباء شاقة تقع بالكامل على عاتق النساء.

وتوضح شمسة أن العمل الزراعي يمثل الشريان الوحيد للرزق في المنطقة، حيث ترافقه النساء في كافة مراحله الموسمية بدءاً من وضع البذور شتاءً ومتابعة السقاية رغم شح المياه، وانتظار القطاف، وصولاً إلى العمل تحت أشعة الشمس الحارقة صيفاً لحصاد القمح والشعير.

وترى العاملات في كل موسم فرصة نادرة لا بد من اقتناصها لتأمين القوت اليومي لغياب أي بدائل. ورغم التعب الموصول والجهد البدني المضني في حر الصيف وبرد الشتاء، تبقى الأجور المتقاضاة زهيدة جداً، ولا تكفي لسد الاحتياجات المنزلية الأساسية أو دفع تكاليف تعليم الأبناء، مما يجبر النساء على الاستمرار قسراً في هذا الواقع المجهد.

تجربة الانتقال: تجسيد الفارق بين عالمين

تختزل حكاية ليلى العلي، وهي امرأة في منتصف الثلاثينيات، تجربة التحول بين عالمي الريف والمدينة.

نشأت ليلى في إحدى قرى الحسكة واستيقظت منذ صغرها على روتين الخدمة المنزلية ومساعدة والدتها، قبل الخروج مع أشقائها إلى الحقول لزراعة المحاصيل.

كانت حياتها السابقة عبارة عن سلسلة من التعب المستمر الذي يمتد طوال العام من البذار إلى الحصاد، توازيها مسؤوليات إعداد البيت ورعاية الأطفال، لقاء عوائد مالية شحيحة من بيع المحاصيل لا تفي متطلبات العيش المتواضعة، مع التمسك بالأرض لكونها الملاذ الوحيد.

تغيرت المعالم بعد انتقال ليلى مع أسرتها إلى مدينة عامودا بشرق الحسكة، حيث اصطدمت بواقع مغاير تماماً يتيح للنساء خيارات متعددة للعمل داخل المدارس والمراكز الصحية والمحلات التجارية، بالإضافة إلى إدارة مشاريع خاصة صغيرة.

أتاح هذا التنوع إمكانية اختيار العمل المناسب وتحقيق عائد مالي أفضل وتحسين مستوى الاستقلالية والمشاركة المجتمعية. كما لمست ليلى فرقاً شاسعاً في الخدمات الأساسية؛ إذ أمنت المدينة قرب المدارس والمراكز الطبية والمرافق، وأعفتها من مشقة جلب المياه لمسافات بعيدة أو الوقوع تحت ضغط المواسم الزراعية الحصرية.

واقع التهميش ومحاولات التمكين الاقتصادي

توضح ابتسال حسن، مديرة البرامج والمشاريع في جمعية شاوشكا بمدينة القامشلي، أن المرأة الريفية تعاني من تحديات مركبة تبدأ بمحدودية فرص العمل، وتستمر مع ضعف الورش والبرامج التدريبية الموجهة إليها، وصولاً إلى قلة المشاريع المخصصة لتمكينها اقتصادياً واجتماعياً. وتعزو حسن هذا التهميش إلى قصور وصول منظمات المجتمع المدني إلى القرى والأرياف ناتج عن قلة أعداد الجمعيات المحلية ومحدودية الدعم المالي المتاح لها.

وترى حسن أن نقل النساء الريفيات إلى مراكز المدن لتدريبهن على المهن والحرف يمثل مدخلاً أساسياً لتأسيس مشاريعهن الخاصة ودخول سوق العمل.

غير أن هذا المسار يصطدم بعدة عقبات، أبرزها تهالك البنية التحتية، وتباعد المسافات الجغرافية بين القرى والمدن، وهو ما يعوق تطوير المهارات ويحد من قدرة المرأة على المشاركة في اتخاذ القرار المحلي. يضاف إلى ذلك النقص الحاد في الخدمات الصحية والمشاريع التنموية المخصصة للمناطق النائية، مما يؤثر سلباً على جودة الحياة واستدامة الأنشطة الاقتصادية.

متطلبات تحقيق المساواة والتنمية الشاملة

يتطلب تجاوز التحديات القائمة تدخلاً حكومياً جاداً يقر برامج شاملة تعنى ببناء قدرات المرأة الريفية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.

كما ينبغي تقديم دعم مباشر للمشاريع الصغيرة والمتوسطة لتكون مصدراً مستداماً للدخل، وتطوير البنية التحتية في أرياف المنطقة، وتأمين وسائل النقل وتوسيع خدمات الصحة والتعليم.

وتشير ابتسال حسن إلى ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية المساواة بين نساء الريف والمدينة كشرط أساسي لإحداث تنمية متوازنة وشاملة.

اقرأ أيضاً:ورقة موقف نسوية تطالب بضمان مشاركة وحماية النساء بالانتقال السياسي في سوريا

اقرأ أيضاً:إقصاء النساء عن إدارات الأندية السورية رغم إنجازاتهن الرياضية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.