اكتظاظ المدارس في سوريا.. طلاب يفترشون الأرض وآلاف الأبنية خارج الخدمة

كشفت صور متداولة من المدارس في درعا عن جانب من أزمة التعليم في سوريا، حيث اضطر بعض الطلاب إلى الجلوس على الأرض بسبب نقص المقاعد، بينما تعاني الصفوف من اكتظاظ كبير يجعل العملية التعليمية أكثر صعوبة على الطلاب والمعلمين.

ولا تقتصر مشكلة اكتظاظ المدارس السورية على درعا، إذ تواجه مدارس في إدلب، ولا سيما في سرمدا والدانا، ظروفاً مشابهة، مع وصول عدد الطلاب في بعض الصفوف إلى 50 أو 60 طالباً. وفي محافظات أخرى، لجأت المدارس إلى نظام الفترتين الصباحية والمسائية لمحاولة استيعاب الأعداد المتزايدة.

وتأتي هذه الأزمة في ظل أضرار واسعة لحقت بالبنية التحتية التعليمية خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى خروج عدد كبير من المدارس عن الخدمة أو تقليص قدرتها الاستيعابية.

60 طالباً في الصف الواحد

تقول معلمة في إحدى مدارس إدلب إن عدد الطلاب في صفها يصل إلى نحو 60 طالباً، مشيرة إلى أن ضبط الصف يستنزف جزءاً كبيراً من الوقت المخصص للشرح وتقديم الدروس.

وتتكرر المشكلة في مدارس سرمدا والدانا، حيث تضم بعض الصفوف نحو 50 إلى 60 طالباً، الأمر الذي يحد من قدرة المعلمين على متابعة الطلاب وتقديم التعليم بالفاعلية المطلوبة.

وفي درعا، أدى نقص المقاعد واكتظاظ الصفوف إلى اضطرار بعض الطلاب للجلوس على الأرض.

ويربط مدرسون جزءاً من الضغط المتزايد على المدارس بتعليمات وزارة التربية والتعليم المتعلقة بقبول الطلاب وعدم رفض تسجيلهم عند نقص بعض الوثائق المصدقة، ما زاد أعداد الطلاب في المدارس التي تعاني أساساً من محدودية الطاقة الاستيعابية.

كرفانات ونظام الفترتين لمواجهة الاكتظاظ

حاولت مديريات التربية في إدلب ودرعا التعامل مع أزمة الاكتظاظ وفق الإمكانات المتاحة، من خلال تجهيز غرف مسبقة الصنع “كرفانات” لزيادة المساحات التعليمية في بعض المدارس.

كما أُعدت دراسات فنية لزيادة عدد الأبنية المدرسية الطابقية، بما يساعد على رفع الطاقة الاستيعابية وتقليل أعداد الطلاب في الصفوف.

وفي درعا، جرى اعتماد نظام الفترتين الصباحية والمسائية كحل لتوزيع الطلاب، إلا أن هذا الإجراء لم يكن كافياً لإنهاء مشكلة الاكتظاظ بشكل كامل.

ترميم آلاف المدارس المتضررة

تعمل وزارة التربية والتعليم على إعادة المدارس المتضررة إلى الخدمة، إذ قال مدير أبنية التعليم في الوزارة محمد حنون إن 1680 مدرسة أعيد تشغيلها بعد تنفيذ أعمال صيانة وتأهيل، بينما تتواصل أعمال الصيانة الدورية في 465 مبنى مدرسياً.

ويقسم حنون أضرار المدارس إلى أبنية مدمرة بشكل كامل، وتتركز غالباً في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية، وأبنية متضررة جزئياً تشمل التصدعات والأضرار التي لحقت بالأثاث والمقاعد.

وتحظى المدارس المتضررة جزئياً بأولوية في التأهيل، كون إعادة استخدامها تحتاج إلى وقت وتكاليف أقل من إعادة بناء المدارس المدمرة بالكامل. وتسبق عمليات الترميم دراسات فنية للتأكد من سلامة الأبنية، فيما تنفذ أعمال التأهيل جهات حكومية ومنظمات خيرية وإنسانية.

المدارس المستخدمة كمراكز إيواء تزيد أزمة التعليم

تواجه العملية التعليمية مشكلة إضافية تتمثل في استخدام بعض المدارس كمراكز إيواء.

وبحسب بيانات اليونيسف خلال العام الجاري، استخدمت 259 مدرسة على الأقل بشكل كامل أو جزئي كمراكز إيواء جماعي، ما أدى إلى تقليص المساحات المتاحة للتعليم في مناطق تعاني أصلاً من نقص الأبنية المدرسية.

وقالت نائبة ممثلة اليونيسف زينب آدم، عقب زيارات لمخيمات ومراكز إيواء، إن استخدام المدارس للإيواء يحرم الأطفال من التعليم ويزيد الضغط على العملية التعليمية، كما قد يرفع خطر التسرب المدرسي في ظل عدم توفر بدائل كافية.

الطاقة الاستيعابية أهم من عدد المدارس

لا يعني تضرر المبنى المدرسي بالضرورة خروجه الكامل من الخدمة، كما أن المدرسة غير المدمرة قد لا تكون قادرة على استقبال كامل عدد الطلاب الذي صممت لاستيعابه.

ويوضح أمين سر نقابة المهندسين في دمشق حاتم ستوت أن قياس العجز التعليمي يجب ألا يعتمد فقط على عدد المدارس المتضررة، وإنما على الطاقة الاستيعابية الفعلية لكل مدرسة.

ويضرب مثالاً بمدرسة مصممة لاستقبال 600 طالب، لكنها لا تستطيع فنياً استيعاب أكثر من 300 طالب، ما يعني وجود عجز فعلي بمقدار 300 مقعد، حتى لو بقي المبنى قائماً.

ويرى أن الحل يبدأ بتصنيف المدارس وفق مستوى الضرر، بدءاً من المدارس التي تحتاج إلى خدمات أساسية مثل المياه والكهرباء، وصولاً إلى الأبنية التي تحتاج إلى ترميم وتأهيل شامل، مع اعتماد تشغيل مؤقت وآمن للمدارس القابلة للاستخدام بعد التأكد من سلامتها.

ملايين الأطفال خارج المدرسة

تعكس الأرقام حجم التحديات التي تواجه قطاع التعليم في سوريا. ووفق بيانات اليونيسف، فإن نحو ثلث المدارس خارج الخدمة، فيما توجد آلاف المدارس غير المؤهلة للاستخدام.

كما تشير البيانات إلى وجود نحو 2.45 مليون طفل خارج المدرسة، إضافة إلى أكثر من مليون طفل آخر معرضين لخطر التسرب.

وفي المقابل، التحق نحو 5.291 مليون طالب بالمدارس وفق المعلومات التي نشرتها وزارة التربية والتعليم، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 6 ملايين طالب في العام التالي.

أزمة التعليم تتجاوز نقص المقاعد

لا تقتصر مشكلة التعليم في سوريا على توفير الأبنية المدرسية أو زيادة عدد المقاعد، بل تمتد إلى قدرة المدارس على استيعاب الطلاب وتوفير بيئة تعليمية مناسبة، إلى جانب تأمين الكوادر التعليمية والخدمات الأساسية.

فوجود الطالب داخل المدرسة لا يعني بالضرورة حصوله على تعليم جيد، خصوصاً عندما تضم الغرفة الصفية عشرات الطلاب، أو يضطر بعضهم إلى الجلوس على الأرض، بينما يستهلك ضبط الصف جزءاً كبيراً من وقت الحصة.

وبينما تتواصل جهود ترميم المدارس وزيادة قدرتها الاستيعابية، تبقى أزمة اكتظاظ المدارس في سوريا مرتبطة بحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التعليمية، وارتفاع أعداد الطلاب، ونقص الموارد، ما يجعل معالجة الأزمة بحاجة إلى حلول طويلة الأمد تضمن عودة الأطفال إلى مدارس آمنة وقادرة على تقديم تعليم فعّال.

إقرأ أيضاً: أزمة الأبنية المدرسية تثقل كاهل التعليم في إدلب

إقرأ أيضاً: أزمة التعليم في سوريا: فائض معلمين في اللاذقية ونقص في مدارس ريف دمشق وحلب ودرعا

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.