مدن إدلب المنسية تواجه النسيان مجدداً.. أكثر من 700 موقع أثري مهدد بالإهمال والتعديات

في شمال غرب سوريا، تقف حجارة المدن المنسية شاهدة على حضارات مضت، لكنها اليوم تواجه خطراً جديداً لا يقل قسوة عن الحروب والزلازل: الإهمال. فالمواقع التي حفظت تفاصيل الحياة الريفية خلال العصرين الروماني والبيزنطي، وتضم قرى مدرجة على قائمة التراث العالمي، باتت عالقة بين أضرار متراكمة، ومشاريع حماية مؤجلة، وغياب التمويل الكافي لترميم ما يمكن إنقاذه.

وتضم محافظة إدلب أكثر من 700 موقع أثري، بينها أكثر من 20 قرية أثرية موزعة ضمن خمس منتزهات مدرجة على قائمة التراث العالمي، إلا أن قسماً كبيراً منها لم يحصل على ما يحتاجه من صيانة وتأهيل، رغم تعرضه خلال السنوات الماضية للقصف والزلزال والعوامل الطبيعية والتعديات البشرية.

إرث حضاري يواجه مصيراً مجهولاً

أطلق اسم «المدن المنسية» على مجموعة من التجمعات الأثرية الممتدة بين ريف إدلب وجبل الزاوية وصولاً إلى ريف حلب، بعدما هجرت تدريجياً عقب قرون من الازدهار. وتعود غالبية هذه المواقع إلى الفترة الممتدة بين القرنين الثاني والسادس الميلاديين، حيث كانت مراكز زراعية وتجارية مزدهرة تضم المنازل الحجرية والكنائس ومعاصر الزيتون والعنب وخزانات المياه وشبكات الطرق.

ولا تكمن قيمة هذه المدن في حجارتها فقط، بل في كونها وثيقة مفتوحة عن نمط حياة مجتمع ريفي قديم اعتمد على الزراعة والتجارة، وطور أنظمة عمرانية واقتصادية متقدمة لعصره.

لكن هذا الإرث التاريخي لم يكن بمنأى عن تداعيات السنوات الماضية، إذ تعرضت مواقع عدة لأضرار متفاوتة نتيجة العمليات العسكرية، وتحول بعضها إلى مواقع عسكرية، إضافة إلى التخريب والتنقيب غير المشروع وزحف البناء الحديث.

توثيق بلا ترميم

يقول مدير آثار إدلب حسان الإسماعيل إن الأضرار التي لحقت بالمواقع تراوحت بين 5 و40 بالمئة بحسب كل موقع، مشيراً إلى أن الجهود الحالية تتركز على التوثيق وإعداد الدراسات أكثر من تنفيذ مشاريع الترميم، بسبب محدودية الإمكانات وغياب التمويل.

وأوضح أن مديرية الآثار نفذت مشاريع لتوثيق المباني والأضرار بالتعاون مع جهات دولية، إلا أن أعمال الترميم بقيت محدودة واقتصرت على عدد من المساجد التاريخية بدعم من منظمات وجهات محلية.

ويشير الإسماعيل إلى أن منظمة «اليونسكو» لم تنفذ حتى الآن أي مشاريع ترميم أو صيانة في مواقع التراث العالمي بإدلب، رغم إدراج هذه المواقع على قائمتها منذ عام 2011.

كما تواجه المديرية صعوبات إضافية تتعلق بضعف الإمكانات وخطر الألغام وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع، في وقت تحتاج فيه حماية هذا الإرث إلى مشاريع طويلة الأمد تتجاوز الإجراءات الطارئة.

بين الحماية والاستثمار المؤجل

يرى مدير التنقيب والدراسات الأثرية أيمن النابو أن المدن المنسية تمثل واحدة من أهم التجمعات الأثرية الريفية المحفوظة عالمياً، لما تقدمه من معلومات حول العمارة والاقتصاد والحياة الاجتماعية خلال العصور الكلاسيكية المتأخرة.

ويؤكد أن المخاطر الحالية لا تقتصر على آثار الحرب، بل تشمل التعديات العمرانية والعوامل الطبيعية، مشيراً إلى أن زلزال عام 2023 تسبب بتصدعات وانهيارات في عدد من الأبنية الأثرية التي كانت تعاني أصلاً من ضعف إنشائي.

ويضيف أن حماية هذه المواقع تحتاج إلى مسوحات علمية باستخدام تقنيات حديثة، وقواعد بيانات محدثة، وخطط إدارة متكاملة تشارك فيها الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية.

ورغم الحديث عن مشاريع لإنشاء مسارات سياحية ومراكز استقبال للزوار ولوحات تعريفية، فإن هذه الخطط ما تزال رهينة التمويل، بينما تضيع سنوات ثمينة من عمر مواقع لا يمكن تعويضها.

ففي إدلب، لا تواجه المدن المنسية خطر انهيار حجارتها فقط، بل خطر أن تصبح شاهداً آخر على ثقافة الإهمال التي طالت كثيراً من مقدرات سوريا. وبينما تنتظر هذه المواقع من ينقذها، يبقى التراث العالق بين الحرب والغياب عرضة لخسارة لا تعوض.

 

اقرأ ايضاً: اتهامات بـ “نهب منظم”: خبراء أتراك وقوات الأمن العام ينقبون عن الآثار في ريف منبج وحلب

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.