اقتصاد اللجوء والعودة: كيف يتحول اللاجئ السوري من مستهلك للمساعدات إلى محرك لإعادة الإعمار؟
ارتبطت قضايا اللجوء والنزوح على مدار العقد الماضي في الأذهان بصور قوارب الموت ومخيمات الإغاثة. لكن خلف هذه الصورة القاتمة، يتشكل في الكواليس نمط مالي موازٍ يُعرف اليوم بـ “اقتصاد اللجوء والعودة”.
ومع انحسار أموال المانحين الدوليين وتراجع خطط الإغاثة حتى عام 2026، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن تحويل ملايين اللاجئين والعائدين من “كتلة مستهلكة للمعونات” إلى “قوة ديناميكية تدير عجلة الاقتصاد المحلي وتغذي مشاريع إعادة البناء؟”
اللاجئ المنتج: ماذا تقول أرقام البنك الدولي ومؤسسات التوظيف؟
تجاوز عدد السوريين في الخارج حاجز الـ 6 ملايين لاجئ مسجل وفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فضلاً عن الملايين المقيمين بصيغ قانونية في أوروبا والخليج وتركيا. وخلافاً للبروباغندا الشعبوية، تُثبت الوقائع الاقتصادية أن المغترب السوري يمثل رافعة حقيقية:
-
الشركات الناشئة في تركيا: أسس السوريون أكثر من 15 ألف شركة مسجلة برأسمال ملايين الدولارات، وساهم وجودهم في رفع معدلات تسجيل الشركات الصغيرة في الولايات التركية المضيفة بنسبة تجاوزت 15%.
-
الاندماج الضريبي في ألمانيا: كشفت بيانات معهد العمل الفيدرالي ومعهد أبحاث التوظيف (IAB) أن نسبة انخراط اللاجئين السوريين في سوق العمل تجاوزت 55%، وأن 62% منهم باتوا يسهمون في النظام الضريبي الألماني بعد 5 سنوات من وصولهم، متحولين إلى أصحاب أعمال ومشاريع برمجية وخدمية.
وفي هذا السياق، يؤكد د. عادل غانم، خبير السياسات التنموية، لـ”963+” أن السوريين في الخارج يشكلون بالفعل “الممول الأكبر” لصمود الداخل عبر شبكات الأمان المالي غير الرسمية.
تحويلات المغتربين: الشريان الصامت الداعم للاقتصاد السوري
رغم العقبات المصرفية والعقوبات الغربية التي تمنع منظومة الدفع الرقمي، تظل تحويلات السوريين المالية التدفق المالي الأهم للداخل.
حجم التحويلات السنوية: يقدّر البنك الدولي تحويلات المغتربين واللاجئين السوريين بنحو 3.5 إلى 4 مليارات دولار سنوياً، وتذهب هذه الأموال مباشرة لتغطية الاحتياجات الأساسية (غذاء، صحة، تعليم) لنحو 70% من الأسر في الداخل السوري.
تحديات العودة: صدمة الواقع تلاحق الكفاءات ورؤوس الأموال
منذ مطلع عام 2025 ووصولاً لعام 2026، بدأت موجات من العائدين تدفقها من دول الجوار كتركيا ولبنان، حاملين معهم “رأسمال بشري ومعرفي” متراكم. إلا أن هذه النوايا تصطدم بعقبات بنيوية حادة:
-
أزمة الطاقة والكهرباء: يرى “محمد”، وهو صناعي عاد من مصر لإعادة تشغيل ورشته بريف دمشق، أن تكلفة تأمين المازوت للمولدات تلتهم نصف الأرباح.
-
غياب التسهيلات والائتمان المصرفي: يوضح “فراس” العائد من لبنان إلى ريف حماة، أن غياب منظومة القروض الميسرة وانعدام التسهيلات الإدارية يعطل المشاريع الصغيرة مثل تربية الدواجن.
-
انهيار المنظومة الماليّة: يجمع الخبراء (ومنهم المهندس لؤي درويش المتخصص في سياسات التعمير) على أن غياب الأمن الوظيفي وانهيار المصارف هما العائقان الأساسيان أمام عودة الكفاءات كالأطباء والمهندسين.
وعقب الخبير الاقتصادي د. وائل مصطفى قائلاً: “المشكلة تكمن في أن الدولة تتعامل مع العائد كعبء خدماتي، بينما يجب التعامل مع ملف العودة بمنطق استثماري لا إغاثي لضمان عدم حدوث هجرة عكسية جديدة”.
خطة الإنقاذ: ما الذي تحتاجه سوريا لتفعيل “اقتصاد العودة”؟
تشير الإحصاءات التقديرية لعام 2026 إلى أن كلفة إعادة إعمار البنية التحتية في سوريا تتجاوز 400 مليار دولار. وتلخص الدكتورة لمياء رستم، الباحثة في شؤون الهجرة، حزمة الإصلاحات الهيكلية المطلوبة في 4 نقاط رئيسية:
1. بيئة تشريعية جاذبة
إصدار قانون استثمار خاص بالعائدين يمنح إعفاءات ضريبية وجمركية لمدة لا تقل عن 5 سنوات على المعدات والمواد الأولية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
2. حلول الطاقة البديلة
تشجيع الاستثمار في الطاقة الشمسية بالمناطق الصناعية والزراعية للتغلب على أزمة الكهرباء المزمنة التي تقوض الإنتاج المباشر.
3. قنوات مالية رسمية ومرنة
تأسيس بنوك ومؤسسات تمويل متناهي الصغر تمنح قروضاً بفوائد شبه معدومة وضمانات ميسرة للعائدين لتمكين مدخراتهم البسيطة من الدوران في السوق.
4. ضمانات قانونية وحماية الملكية
توفير استقرار قانوني وأمني مطمئن يضمن للمستثمر والعائد الأمان التام على ملكيته العقارية وحريته الشخصية.
محاكاة الأثر التنموي: الأرقام لا تكذب
تؤكد الدكتورة رستم أن عودة عائلة واحدة مكونة من 5 أفراد بمدخرات متوسطة تعني ضخ سيولة مباشرة في قطاع العقارات (ترميم المنازل) وقطاع التجزئة.
معادلة استثمارية: إذا افترضنا عودة 100 ألف عائلة فقط بمتوسط مدخرات يبلغ 5,000 دولار لكل عائلة، فنحن نتحدث عن ضخ فوري لنحو نصف مليار دولار كسيولة مباشرة في الأسواق المحلية دون تحميل ميزانية الدولة أي أعباء استدانة.
إقرأ أيضاً: سوريا على قائمة بؤر الجوع العالمية.. الحرب والانهيار الاقتصادي يدفعان الملايين نحو أزمة غذائية أعمق
إقرأ أيضاً: الليرة السورية تتراجع مجددًا.. فجوة الصرف تتسع والضغوط الاقتصادية تتفاقم