عودة اللاجئين السوريين: الآمال السياسية تصطدم بالواقع المعيشي والأمني 2026
شكّل سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024 نقطة تحول تاريخية في المشهد السياسي السوري، مما فتح الباب أمام تطلعات واسعة لعودة ملايين النازحين واللاجئين. ورغم مرور نحو عام ونصف على هذا التحول، إلا أن التقارير الميدانية والإنسانية الصادرة حتى منتصف عام 2026 تؤكد أن انتهاء الحقبة السياسية الماضية لم ينهِ تلقائياً الأزمات الهيكلية التي تمنع عودة جماعية ومستقرة.
توضح المؤشرات الدولية أن البيئة الأمنية، والاقتصادية، والقانونية في سوريا ما تزال تواجه تحديات جسيمة تعيق تحقيق “العودة الطوعية والآمنة والكريمة” التي تشترطها الأمم المتحدة.
العودة ليست مجرد قرار سياسي: شروط الاستقرار المفقودة
وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن قرار العودة إلى الوطن لا يرتبط فقط بتغيير السلطة، بل بمدى توفر مقومات الحياة الأساسية.
وفي هذا الصدد، يرى الخبير الأممي ومختص الإعلام الإنساني، محمد الحواري، أن انهيار النظام السابق مثل خطوة سياسية كبرى، لكنه لا يعني تدفقاً تلقائياً للاجئين. وأوضح أن أبرز العقبات الراهنة تتمثل في:
-
تضرر البنية التحتية والمساكن بشكل واسع.
-
محدودية فرص العمل وانعدام مصادر الدخل المستقرة.
-
تراجع الخدمات الأساسية كالطبابة، والتعليم، والمياه، والكهرباء.
-
المخاوف من الانتهاكات الأمنية في بعض المناطق الناتجة عن الصراعات المحلية والاعتقالات التعسفية المستمرة بين عامي 2025 و2026.
وأشار الحواري إلى أن نجاح العودة لا يُقاس بأعداد العائدين، بل بقُدرتهم على الاستقرار دون الخوف من التعرض لفقر مدقع أو نزوح جديد، مؤكداً على أهمية ملف “المصالحة المجتمعية” وترميم النسيج الاجتماعي الممزق.
الأمن والعدالة الانتقالية: معضلة المفقودين والولاية القضائية
يبقى الملف الأمني والقانوني حجر العثرة الأكبر أمام ملايين السوريين في المغترب. وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور محي الدين الشحيمي، أستاذ القانون والسياسات الخارجية، أن قضية المفقودين تمثل “الأولوية القصوى” للإدارة الانتقالية الحالية في سوريا.
أرقام صادمة: تشير التقديرات الحقوقية الموثقة إلى وجود ما لا يقل عن 113,218 شخصاً في عداد المختفين قسراً، بينما ترفع جهات أخرى الرقم إلى نحو 177 ألف مفقود جراء ممارسات النظام السابق.
وعلى صعيد المحاسبة الدولية، تواصل دول أوروبية (مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا) اعتماد مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة مسؤولي النظام المخلوع الفارين. وبالتوازي مع ذلك، تم تأسيس “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” محلياً لجمع الأدلة وتحديد المسؤوليات، وهو مسار يراه الحقوقيون أساسياً لبناء الثقة والتمهيد لعودة آمنة.
أزمة السكن وإعادة الإعمار: العقبة المالية الأكبر
تأتي أزمة السكن في مقدمة التحديات المادية المباشرة التي تواجه العائدين، وتتلخص في النقاط التالية:
-
دمار هائل: تُظهر بيانات مفوضية اللاجئين أن 80% من الأسر النازحة تعاني من دمار كلي أو جزئي في منازلها.
-
غياب المأوى: اعتبر 36% من السوريين أن عدم وجود مسكن صالح هو السبب الرئيسي وراء عدم رغبتهم في العودة حالياً.
-
أزمة توثيق الملكية: يمتلك 20% فقط من السوريين وثائق ملكية عقارية رسمية، نظراً لفقدان الأوراق الثبوتية خلال سنوات الحرب.
-
فاتورة إعادة الإعمار: تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن سوريا تحتاج إلى 216 مليار دولار كحد أدنى لإعادة تأهيل البنية التحتية والسكنية.
حركة العودة حتى عام 2026: أرقام وحقائق
رغم صعوبة الواقع، سجلت سوريا حركة عودة ملحوظة؛ حيث عاد نحو 1.6 مليون شخص في الفترة الممتدة بين ديسمبر 2024 وأبريل 2026.
من جانبه، يوضح المحامي والمحاضر في مجال اللاجئين، أشرف ميلاد، أن هذه العودة تظل “فردية واختيارية” ولا تعكس رغبة جماعية شاملة. وأضاف أن الإدارة الحالية تركز على استقطاب فئات محددة قادرة على الاندماج الفوري، في حين أن شريحة واسعة من السوريين قد استقرت بشكل نهائي في دول اللجوء وأسست أعمالاً وحياة مستقرة هناك.
وفي الوقت الذي تشهد فيه الدول الأوروبية تراجعاً نسبياً في طلبات اللجوء الجديدة، يجمع الخبراء على أن قرار العودة الجماعية سيبقى معلقاً إلى حين اكتمال شروط الاستقرار الاقتصادي، وسيادة القانون، وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
إقرأ أيضاً: سوريا بعد السقوط.. عودة مؤجلة بين ركام السياسة وانهيار شروط الحياة
إقرأ أيضاً: الأمم المتحدة: عودة أكثر من 200 ألف لاجئ سوري طوعاً من الأردن خلال عام ونصف