سوريا بعد السقوط… عودة مؤجلة بين ركام السياسة وانهيار شروط الحياة

شكّل سقوط النظام في سوريا في 2024 لحظة مفصلية أعادت فتح ملف اللاجئين السوريين على نطاق واسع، وولّدت موجة توقعات بعودة جماعية لملايين النازحين. غير أن ما ظهر على الأرض سرعان ما بدّد تلك التوقعات، إذ تبيّن أن تغيّر السلطة لا يعني تلقائياً تغيّر شروط الحياة، ولا يبدّد جذور النزوح التي تراكمت عبر سنوات الحرب.

فبين هشاشة أمنية مستمرة، وبنية خدمية منهكة، وخرائط سكن وملكية معقدة، يبدو أن “سوريا ما بعد الأسد” لم تدخل بعد مرحلة الاستقرار القادر على إنتاج عودة آمنة أو مستدامة، بل مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات القلق أكثر من اليقين.

العودة ليست قراراً سياسياً… بل اختبار حياة كامل

تؤكد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن العودة لا تُختزل بتبدّل النظام السياسي، بل تقوم على ثلاثية أساسية: الطوعية، الأمان، والكرامة. وهي شروط ما تزال، وفق المعطيات الميدانية، غير مكتملة في معظم المناطق السورية.

فالكثير من اللاجئين الذين يدرسون خيار العودة يصطدمون بواقع مغاير تماماً: منازل مدمرة أو منهوبة، فرص عمل شبه معدومة، خدمات أساسية متدهورة، ومخاوف مستمرة من الاعتقال أو الانتهاكات، إلى جانب شبكة معقدة من الإشكالات القانونية المتعلقة بالملكية والوثائق والمفقودين.

ويشير الخبير الأممي في الإعلام الإنساني محمد الحواري إلى أن “تغيّر السلطة لا يكفي لإنتاج عودة واسعة”، موضحاً أن القرار الفردي بالعودة مرتبط بإمكانية إعادة بناء حياة مستقرة، لا بمجرد عبور الحدود. ويضيف أن العوائق الجوهرية تتمثل في السكن والعمل والخدمات، إضافة إلى استمرار القلق الأمني في بعض المناطق، وغياب ضمانات قانونية واضحة.

مجتمع مفكك وشروط عودة غير مكتملة

يذهب الحواري إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن النسيج الاجتماعي السوري تعرض لتصدعات عميقة خلال سنوات الحرب، ما يجعل فكرة “المصالحة المجتمعية” أكثر تعقيداً من مجرد تسويات سياسية. فجزء من السوريين فقدوا الثقة داخل محيطهم الاجتماعي، حيث امتزجت التجربة الشخصية بالعنف والانقسام والاتهامات المتبادلة، ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد أمام أي عودة واسعة.

الأمن والعدالة: سؤال لم يُحسم بعد

رغم انتهاء الحقبة السابقة، تشير تقارير حقوقية صادرة خلال 2025 و2026 إلى استمرار حوادث عنف واعتقالات تعسفية واشتباكات محلية في عدد من المناطق، ما يبقي البيئة الأمنية في حالة هشاشة تمنع الحديث عن عودة آمنة شاملة.

وفي السياق نفسه، يؤكد أستاذ القانون والسياسات الخارجية محي الدين الشحيمي أن ملف العدالة الانتقالية، ولا سيما قضية المفقودين، يمثل حجر الأساس في أي مسار استقرار مستقبلي. ويشير إلى أن عدداً من الدول الأوروبية فعّل مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة متورطين بجرائم حرب، في حين تعمل هيئات محلية على جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات، دون أن يصل الملف بعد إلى مرحلة حسم قضائي شامل.

وتبقى قضية المفقودين، الذين يُقدَّر عددهم بما بين 113 ألفاً و177 ألف شخص، أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على قرار العودة، بوصفها جرحاً مفتوحاً يربط الماضي بالحاضر ويؤجل فكرة الاستقرار.

عودة جزئية لا تُغيّر الصورة العامة

ورغم استمرار العوائق، سجلت البلاد عودة نحو 1.6 مليون شخص بين نهاية 2024 ونيسان/أبريل 2026، بحسب بيانات أممية، لكن هذه العودة تبقى محدودة مقارنة بحجم النزوح، وغير كافية لتشكيل تحول ديمغرافي مستقر.

ويؤكد محامون مختصون بشؤون اللاجئين أن هذه العودة “فردية وانتقائية”، إذ يختارها من يستطيع التكيف مع الواقع الحالي، بينما يبقى معظم اللاجئين في دول اللجوء حيث استقروا اقتصادياً واجتماعياً، ما يقلل من احتمالات العودة الجماعية في المدى القريب.

السكن والاقتصاد: عقدة العودة الكبرى

في صدارة العقبات يقف ملف السكن، حيث تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 80% من النازحين فقدوا منازلهم بشكل كلي أو جزئي، فيما يفتقر جزء كبير منهم إلى الوثائق القانونية التي تثبت ملكية العقارات.

وتشير تقديرات دولية إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا قد تتجاوز 216 مليار دولار، ما يعكس فجوة هائلة بين الواقع القائم وإمكانية إعادة الترميم السكني والخدمي بالشكل الذي يسمح بعودة مستقرة.

أما اقتصادياً، فما تزال فرص العمل محدودة، في ظل تراجع الإنتاج وغياب الاستثمارات القادرة على امتصاص موجات عودة محتملة، ما يجعل العودة في كثير من الحالات انتقالاً إلى هشاشة جديدة لا إلى استقرار فعلي.

خدمات منهكة وعودة محفوفة بالمخاطر

تعكس المؤشرات الصحية والخدمية عمق الأزمة، إذ لا تعمل سوى نسبة محدودة من المرافق الصحية بكامل طاقتها، في حين تعاني خدمات المياه والكهرباء والتعليم من تراجع حاد، ما يجعل الحياة اليومية في كثير من المناطق غير مستقرة حتى للسكان المقيمين، فكيف بالعائدين الجدد.

خلاصة: عودة بلا ضمانات

تكشف التجربة السورية بعد سقوط النظام أن نهاية مرحلة سياسية لا تعني نهاية أسباب النزوح. فبين الدمار المادي، والانهيار الخدمي، وتعقيدات الملكية، والهشاشة الأمنية، وغياب العدالة الكاملة، تبقى العودة حتى الآن خياراً فردياً محفوفاً بالمخاطر، لا تحولاً جماعياً مستداماً.

وبكلمات أقرب لواقع الأرض من بيانات المؤتمرات: سوريا تغيّرت سياسياً، لكنها لم تُهَيّأ بعد لتستقبل أبناءها.

 

اقرأ أيضاً: تقرير سري للخارجية الألمانية: الوضع في سوريا “متقلب” وجدل حول ترحيل اللاجئين

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.