حملات لضبط الدراجات النارية في اللاذقية.. مخالفات مرورية تتطلب تنظيماً وشرعنة قانونية

تعود الدراجات النارية في اللاذقية إلى واجهة المشهد المروري مع حملة جديدة تستهدف المخالفات المرتبطة بالقيادة الرعناء، والاستهتار بقواعد السير، والسرعات غير المناسبة والأصوات المزعجة، وسط حديث عن إجراءات إضافية خلال الأيام المقبلة. لكن المشكلة التي تبدو في ظاهرها مرورية، تحمل في عمقها جانباً اقتصادياً واجتماعياً لا يمكن تجاهله: فالدراجة التي تتحول لدى البعض إلى مصدر إزعاج أو خطر، تمثل لدى أسر أخرى وسيلة العمل الوحيدة ومصدراً للدخل في بلد ضاقت فيه فرص العمل وتراجعت القدرة على تأمين المعيشة.

وتأتي الحملة في سياق إجراءات مرورية متكررة شهدتها اللاذقية خلال الفترة الماضية لضبط المخالفات، شملت القيادة الرعناء وغيرها من التجاوزات. كما سبق للمحافظة أن فرضت في آذار 2025 منع تجوال الدراجات النارية داخل مركز المدينة والأسواق العامة بين الثامنة مساء والثامنة صباحاً.

المشكلة ليست في الدراجة وحدها

لا خلاف على أن القيادة المتهورة وتحويل الطرق إلى مساحات للاستعراض والمناورات الخطرة تمثل خطراً على المشاة وسائقي السيارات والدراجات أنفسهم. كما أن الأصوات المرتفعة وحركة بعض الدراجات بصورة عشوائية تحولت إلى مصدر إزعاج يومي في مناطق مختلفة.

لكن اختزال الملف بهذه الصورة يترك جانباً آخر خارج المشهد. فالدراجة النارية في الواقع السوري لم تعد مجرد وسيلة نقل شخصية، بل دخلت بقوة إلى سوق العمل، من التوصيل إلى المهن الصغيرة والتنقل اليومي، وأصبحت في بعض الحالات وسيلة تعيل أسرة لا معيل لها أو تؤمن دخلاً لشاب لم يجد فرصة عمل مستقرة.

وهنا تصبح المصادرة أو المنع الشامل معالجة سهلة لمشكلة أكثر تعقيداً. فالدولة التي لم تستطع توفير نقل عام كافٍ وفرص عمل مستقرة وأسعار نقل محتملة، لا تستطيع التعامل مع الدراجة باعتبارها مشكلة مرورية منفصلة عن الواقع الاقتصادي الذي دفع الناس إلى الاعتماد عليها.

المطلوب تنظيم الدراجات لا دفعها إلى الظل

المطلوب ليس التساهل مع المخالفات، وإنما بناء إطار قانوني واضح يميز بين الدراجة النظامية والمخالفة، وبين السائق الذي يعمل عليها والسائق الذي يستخدمها للإزعاج أو القيادة الخطرة.

ويشمل ذلك فتح مسار فعلي لترسيم الدراجات الموجودة، وتسهيل تسجيلها وترخيصها، وربطها ببيانات أصحابها، وتنظيم لوحاتها وأوراقها وتأمينها، مع تحديد شروط فنية واضحة للقيادة، من الخوذة والإنارة إلى العادم والسرعة ومناطق الاستخدام.

كما يمكن تخصيص مسارات أو أوقات ومناطق مناسبة للدراجات في المدن المكتظة، وتنظيم عمل دراجات التوصيل والنقل الخفيف بدلاً من تركها في منطقة رمادية بين الوجود الفعلي والمنع القانوني.

حملات موسمية لا تبني قانوناً مستقراً

المشكلة الأوسع أن الحملات المرورية في سوريا كثيراً ما تظهر بصورة موسمية، ثم تخف حدتها، قبل أن تعود المخالفات إلى الشوارع. وقد أظهرت اللاذقية نفسها خلال الأشهر الماضية حملات متكررة لضبط المخالفات المرورية والإشغالات وتنظيم الشوارع، ما يعكس استمرار الحاجة إلى المعالجة لا انتهاء المشكلة.

وحتى تنجح الحملة الحالية، لا يكفي توقيف المخالفين أو حجز الدراجات. المطلوب أن تتحول الإجراءات إلى سياسة دائمة: قانون واضح، ترخيص متاح، رقابة منتظمة، وعقوبات تطبق على المخالفة نفسها من دون انتقائية.

فالشارع يحتاج إلى الهدوء والسلامة، لكن صاحب الدراجة يحتاج أيضاً إلى حق واضح في العمل والتنقل. وبين هذين الأمرين تقع مسؤولية الحكومة في تنظيم الظاهرة بدلاً من الاكتفاء بملاحقتها. وإذا كانت الدراجات قد أصبحت جزءاً من الاقتصاد اليومي لشرائح واسعة، فإن الحل الأكثر واقعية ليس إلغاء وجودها، بل إخراجها من الفوضى إلى القانون.

 

اقرأ ايضاً: بين الأمن ولقمة العيش.. مصادرة الدراجات النارية تفتح جدلاً واسعاً في دمشق

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.