أسعار الفروج تحلّق في سوريا.. فجوة الإنتاج تكشف هشاشة سوق الدواجن أمام الأزمات
لم تحتج أسعار الفروج في سوريا إلى أزمة جديدة كي تثبت هشاشة هذا القطاع؛ فبين طلب موسمي يتصاعد مع حركة الصيف، وإنتاج محلي لم يستعد عافيته بعد، وجد المستهلك نفسه مجدداً أمام أسعار ترتفع أسرع من قدرته الشرائية، بينما يقف مربو الدواجن بين خسائر سابقة ومحاولات مترددة للعودة إلى الإنتاج.
الارتفاع الحالي في أسعار الفروج لا يبدو مجرد تقلب عابر في السوق، بل يعكس خللاً أعمق في إدارة قطاع حيوي يعتمد عليه السوريون كمصدر رئيسي للبروتين، في ظل غياب سياسات إنتاجية استباقية قادرة على موازنة العرض والطلب قبل وقوع الأزمات.
السوق يدفع ثمن فجوة الإنتاج
تتراوح أسعار كيلوغرام الفروج في أسواق دمشق بين 250 و350 ليرة جديدة، فيما سجلت شرحات الدجاج مستويات أعلى وصلت إلى نحو 750 ليرة جديدة للكيلوغرام، وسط تفاوت بين الأسواق والمناطق.
ويرجع خبراء القطاع هذا الارتفاع إلى تداخل ثلاثة عوامل رئيسية؛ أولها زيادة الطلب خلال الموسم السياحي، إذ تشهد المطاعم والمنشآت السياحية ارتفاعاً في استهلاك الفروج، خصوصاً خلال فصل الصيف.
أما العامل الثاني، والأكثر تأثيراً، فيرتبط بفجوة إنتاجية نشأت قبل أسابيع، بعدما خرج عدد كبير من المربين من دورة التربية نتيجة الخسائر التي تعرضوا لها، ولا سيما بعد السماح باستيراد الفروج الحي والمذبوح والمجمد، ما دفع كثيراً منهم إلى تجميد نشاطهم انتظاراً لتحسن الظروف.
ويشير مختصون إلى أن هذا الخروج الجماعي من الإنتاج كشف ضعف قدرة الحكومة السورية الانتقالية على إدارة التوازن بين حماية المستهلك وعدم إضعاف المنتج المحلي، إذ أدى فتح باب الاستيراد دون ضمانات كافية لاستمرارية المربين إلى نتائج عكسية ظهرت لاحقاً في ارتفاع الأسعار ونقص المعروض.
مربون خرجوا.. والسوق ينتظر عودتهم
يقول الخبير في قطاع الدواجن زياد نمور إن انخفاض الإنتاج تزامن مع ارتفاع الطلب، مشيراً إلى أن دورة التربية تحتاج إلى نحو 40 يوماً حتى تعود الكميات إلى الأسواق.
وأوضح أن جزءاً من المربين اضطر إلى تسويق الطيور بأعمار أقل بسبب ارتفاع درجات الحرارة، ما خفض الأوزان المنتجة وأثر خصوصاً في كميات الشرحات المتوفرة.
ويرى نمور أن معالجة الأزمة لا يجب أن تقتصر على انتظار عودة الإنتاج، بل تحتاج إلى تخطيط مسبق يراعي المواسم التي يرتفع فيها الطلب، من خلال زيادة الإنتاج قبل الفترات الحرجة وإنشاء آليات تخزين تساعد على منع القفزات السعرية المفاجئة.
قطاع الدواجن بين الاستيراد والاعتماد على الداخل
من جهته، يؤكد رئيس لجنة الدواجن في اتحاد غرف الزراعة نزار سعد الدين أن أكثر من 60 بالمئة من المربين خرجوا من الإنتاج خلال الفترة الماضية بسبب الخسائر، ما تسبب في تراجع واضح بالكميات المتوفرة في الأسواق.
ويشير إلى أن قرار وقف استيراد فروج الريش وصوص البياض والصوص المخصص للتربية يمثل خطوة باتجاه إعادة تنشيط الإنتاج المحلي، إلا أن نتائجها تحتاج وقتاً حتى تظهر، باعتبار أن قطاع الدواجن مرتبط بدورات إنتاج لا يمكن اختصارها بقرارات فورية.
في المقابل، يرى رئيس لجنة دواجن حماة حازم شنان أن الأسعار الحالية تمثل عودة إلى مستوى أكثر توازناً بعد فترة شهدت فيها السوق اضطراباً بسبب تدفق المنتجات المستوردة، مشيراً إلى أن تحسن الأسعار شجع بعض المربين على العودة إلى العمل.
أزمة تتكرر.. والحلول ما زالت مؤجلة
رغم الحديث الرسمي عن استعادة التوازن في سوق الدواجن، يبقى القطاع أمام مشكلة أعمق تتعلق بغياب استراتيجية طويلة الأمد تحمي الإنتاج المحلي من الصدمات.
فالمربي الذي ينسحب من السوق بسبب الخسائر لا يعود بمجرد تحسن مؤقت في الأسعار، والمستهلك الذي يواجه ارتفاع تكاليف الغذاء لا يستطيع انتظار دورات إنتاج تمتد أسابيع.
وبين وعود الاستقرار وواقع السوق، يبقى الفروج مثالاً جديداً على اقتصاد يعتمد على رد الفعل أكثر من التخطيط، حيث تظهر الأزمات بعد وقوعها، فيما يدفع المواطن والمزارع معاً ثمن غياب الإدارة الاستباقية لقطاعات تمس الحياة اليومية.
اقرأ أيضاً: أسعار الفروج في سوريا ترتفع مجددًا.. وجبة الفقراء تفقد مكانتها تحت ضغط الغلاء