باصات النقل الداخلي في إدلب.. ازدحام يفوق المقاعد وخدمة عاجزة عن ملاحقة الركاب

في مدينة إدلب، لم يعد الباص الداخلي مجرد وسيلة نقل منخفضة الكلفة، بل تحول إلى اختبار يومي لقدرة منظومة النقل على استيعاب سكان يتزايد اعتمادهم عليه مع ارتفاع أجور سيارات الأجرة. وبين مقعد وآخر، وفي الممرات المكتظة، يجد الطلاب والموظفون وكبار السن أنفسهم أمام رحلة لا تخلو من التدافع والوقوف الطويل ومخاطر السقوط، بينما لا تزال زيادة عدد الرحلات والباصات في خانة الدراسة والاحتمالات.

وتعمل باصات النقل الداخلي على خطي الذهاب والإياب منذ ساعات الصباح وحتى المساء، لكن ارتفاع أعداد الركاب خلال الفترة الأخيرة رفع الضغط على الرحلات، خصوصاً في ساعات الذروة، وجعل الطاقة الاستيعابية المحدودة للباصات عاجزة عن مواكبة الطلب.

باص ممتلئ.. وركاب ينتظرون التالي

يقر معاون مدير مديرية نقل الركاب في إدلب أحمد هماد بوجود ضغط متزايد على الخدمة، موضحاً أن تجاوز الطاقة الاستيعابية للحافلات مخالفة تستوجب المحاسبة.

ويقول إن لكل باص عدداً محدداً من المقاعد وأماكن الوقوف، فيما تتابع دوريات المديرية شكاوى الركاب وتراقب مدى الالتزام. كما تدرس المديرية زيادة عدد الرحلات وإدخال باصات جديدة عند توفر الإمكانيات.

لكن المشكلة تبدو أوسع من مخالفة سائق أو تجاوز عدد محدد من الركاب. فحين يكون النقل الداخلي الخيار الأقل كلفة أمام شريحة واسعة، بينما لا يتناسب عدد الرحلات مع حجم الطلب، يصبح الازدحام نتيجة متوقعة لعجز الخدمة عن ملاحقة المدينة.

ويقول أحد السائقين إن الباص قد يستوعب بين 50 و60 راكباً، ومع امتلاء المقاعد والممرات يصبح أي ركوب إضافي عبئاً على السلامة. ومع ذلك، يستمر صعود الركاب عند المحطات لأن الانتظار لباص آخر قد يعني تأخر طالب عن جامعته أو موظف عن عمله.

تكلفة التكسي تدفع الركاب إلى الزحام

لا تبدو سيارات الأجرة بديلاً متاحاً للجميع. فسائقو التكاسي يربطون ارتفاع الأجور بكلفة المحروقات والإصلاحات المتكررة وأعطال السيارات، فيما يلجأ بعض الطلاب إلى تقاسم سيارة واحدة بين ثلاث أو أربع طالبات لتقليل الكلفة.

وبذلك يجد المواطن نفسه أمام معادلة ضيقة: أجرة تكسي مرتفعة أو باص مكتظ. أما الخيار الثالث، أي خدمة نقل عام كافية ومنتظمة، فلا يزال دون المستوى الذي تحتاجه المدينة.

طلاب وكبار سن في مقدمة المتضررين

تقول الطالبة علياء أحمد إن الباص قد يغادر الكراج ممتلئاً، ثم يزداد ازدحامه مع كل محطة، ما يجعل الممرات والأبواب نقاطاً شديدة الخطورة. وتروي أنها شاهدت سقوط طالبة أثناء وقوفها قرب باب الباص، ما أدى إلى إصابتها في العمود الفقري وخضوعها لعمليات جراحية.

ولا يقتصر العبء على الطلاب. فأم عمر، البالغة 50 عاماً، تقول إن ازدحام الباصات يجعل الصعود والنزول والوقوف طوال الرحلة أمراً شاقاً، وتضطر أحياناً إلى انتظار رحلة أخرى لأنها لا تستطيع الوقوف وسط هذا الاكتظاظ.

وتصبح المشكلة أكثر قسوة خلال الصيف، حين يتحول امتلاء الممرات إلى ضغط إضافي على الركاب، فيما تصعب حركة الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن داخل الحافلة.

خدمة أساسية لا تُدار بمنطق الانتظار

تعتمد نسبة كبيرة من سكان إدلب على النقل الداخلي لأنه الأقل كلفة، وهذا يجعل زيادة عدد الرحلات وتحسين شروط السلامة مسؤولية خدمية لا يمكن تأجيلها إلى حين توفر الإمكانيات.

المشكلة أن الحكومة السورية الانتقالية لا تزال تتعامل مع الازدحام بوصفه ملفاً قابلاً للدراسة، فيما يواجهه المواطن يومياً على أرض الواقع. فحين يعرف المسؤول أن الطلب يتجاوز الطاقة المتاحة، لا ينبغي أن تكون الإجابة انتظار باص إضافي أو دراسة لاحقة، بل خطة عاجلة لزيادة الأسطول وتنظيم المسارات ورفع وتيرة الرحلات.

فالنقل العام ليس رفاهية، ولا يكفي أن تكون الأجرة منخفضة إذا كان ثمنها رحلة غير آمنة ومقاعد مكتظة وراكباً يصل إلى وجهته وهو يلهث من شدة الازدحام.

 

اقرأ ايضاً: أزمة معيشية جديدة.. سوريا ترفع أجور النقل الداخلي وسط تراجع الليرة والمحروقات تشعل القرار

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.