ارتفاع أسعار الفروج في سوريا بعد وقف الاستيراد.. أزمة إنتاج قديمة تضع المستهلك أمام موجة غلاء جديدة
عاد الفروج، الذي لطالما اعتُبر الملاذ الأخير للأسر السورية الهاربة من ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، إلى واجهة الأزمات المعيشية مع قفزة سعرية جديدة شهدتها الأسواق المحلية عقب قرار وقف استيراد الدواجن. وبينما يُحمّل الشارع القرار مسؤولية الغلاء المتسارع، تؤكد الجهات الرسمية أن ما يحدث ليس سوى نتيجة لانهيار طويل في دورة الإنتاج، كشف هشاشة قطاع استنزفته سنوات من التكاليف المرتفعة وغياب السياسات المستقرة.
وخلال أيام قليلة، ارتفعت أسعار كيلو الفروج الريش من حدود 17 و18 ألف ليرة سورية إلى ما يقارب 22 و23 ألف ليرة، ما شكل عبئًا إضافيًا على الأسر التي تعاني أصلًا من تآكل القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الدخل والأسعار.
وقف الاستيراد.. قرار كشف أزمة أعمق
تنفي وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك وجود علاقة مباشرة بين قرار وقف الاستيراد والارتفاع الحالي، معتبرة أن الأسعار كانت تتجه نحو الصعود نتيجة تراجع الإنتاج وخروج أعداد من المربين من السوق بعد تعرضهم لخسائر متكررة.
وبحسب مدير حماية المستهلك وسلامة الغذاء حسن الشوا، فإن المربين اضطروا خلال الأشهر الماضية إلى البيع بأسعار تقل عن الكلفة الحقيقية، الأمر الذي أضعف قدرتهم على الاستمرار وأثر على حجم المعروض في الأسواق.
في المقابل، ترى المؤسسة العامة للدواجن أن وقف استيراد الفروج وصيصان التربية والبياض يشكل فرصة لإنقاذ المنتج المحلي وإعادة الثقة للمربين، إلا أن هذه الخطوة تصطدم بواقع إنتاجي مأزوم يحتاج إلى معالجة أوسع من مجرد إغلاق باب المنافسة الخارجية.
مداجن متعبة وكلف إنتاج تخنق المربين
لم تبدأ أزمة الدواجن مع قرار وقف الاستيراد، بل هي امتداد لسنوات من التراجع الناتج عن ارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة والأدوية البيطرية، إلى جانب الأمراض التي تسببت بنفوق أعداد كبيرة من الطيور، وغياب الاستقرار في عمليات التسويق والتسعير.
ويواجه المربون معادلة قاسية؛ فمعظم مستلزمات الإنتاج تُشترى بالدولار، بينما يباع المنتج النهائي بالليرة السورية المتراجعة، ما يجعل هامش الربح هشًا ويحوّل كثيرًا من دورات التربية إلى مغامرة خاسرة.
ويؤكد مربون أن تحديد أسعار الفروج الحالية قد يخفف جزءًا من الخسائر السابقة، لكنه لا يضمن عودة سريعة للمنتجين الذين استنزفت رؤوس أموالهم خلال سنوات من التقلبات والأزمات.
بين حماية المربي ومعاناة المستهلك
تكشف أزمة أسعار الفروج في سوريا عن خلل اقتصادي أعمق من مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار؛ فالسوق يقف اليوم بين مربي يحتاج إلى سعر يضمن استمراره، ومستهلك لم يعد قادرًا على تحمّل المزيد من موجات الغلاء.
ويرى خبراء أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحًا هيكليًا يبدأ بخفض تكاليف الأعلاف ومستلزمات الإنتاج، وتحديث البنية التحتية للمداجن، وتعزيز إجراءات الأمن الحيوي، إضافة إلى تنظيم سلاسل التسعير والحد من الفجوة بين المنتج والمستهلك.
وفي ظل استمرار التراجع الاقتصادي وضعف القوة الشرائية وغياب خطط تنموية قادرة على إعادة التوازن للقطاع الزراعي والحيواني، يبقى ارتفاع أسعار الفروج انعكاسًا جديدًا لأزمة أوسع يعيشها السوريون، حيث تتحول حتى أبسط المواد الغذائية إلى عبء يومي يثقل حياة ملايين الأسر.
اقرأ أيضاً: الفروج في سوريا: سوق يتأرجح بين قرار حماية وواقع أسعار لا يهدأ