جامعة دمشق تضبط أنشطتها بعد جدل “اللباس الشرعي”.. صراع الهوية يعود إلى أقدم الجامعات السورية
في مشهد يعكس حجم التحولات الاجتماعية والفكرية التي تعيشها سوريا بعد سنوات من الحرب والانقسام، وجدت جامعة دمشق نفسها في قلب جدل جديد تجاوز حدود نشاط طلابي عابر، ليفتح نقاشًا أوسع حول هوية المؤسسات التعليمية، وحدود النشاط الديني داخل الحرم الجامعي، ودور الدولة في حماية الفضاء الأكاديمي من الاستقطابات الأيديولوجية المتصاعدة.
فبعد أيام من إقامة حملة “الذهبي للباس الشرعي” ملتقى دعويًا داخل كلية طب الأسنان، أصدرت جامعة دمشق بيانًا شددت فيه على منع أي جهة أو مؤسسة أو فريق من إقامة أي نشاط أو فعالية داخل الحرم الجامعي دون الحصول على الموافقات الرسمية والأصولية من رئاسة الجامعة والجهات المختصة.
الجامعة ترد.. لا أنشطة خارج الأطر الرسمية
أكدت إدارة جامعة دمشق أن تنظيم أي نشاط داخل الحرم الجامعي دون تنسيق مسبق يُعد مخالفة للأنظمة والتعليمات المعمول بها، ويعرّض القائمين عليه للمساءلة القانونية والإدارية، مع احتفاظ الجامعة بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق أي جهة أو أفراد يمارسون أنشطة غير مرخصة داخل مرافقها.
وأوضحت الجامعة أن هذه الإجراءات تأتي في إطار الحفاظ على البيئة الأكاديمية وصون استقلال المؤسسة التعليمية وضمان عدم تحول الجامعات إلى ساحات للصراع الفكري أو الديني أو السياسي، في مرحلة تعاني فيها البلاد من هشاشة اجتماعية عميقة وانقسامات تراكمت على مدار أكثر من عقد من الأزمات.
حملة “الذهبي” تشعل نقاشًا حول الحرية والهوية
وكانت حملة “الذهبي للباس الشرعي” قد نظمت لقاءً داخل كلية طب الأسنان في 17 حزيران، وروّجت من خلاله لارتداء الخمار وتغطية الوجه باعتباره، وفق خطاب الحملة، تعبيرًا عن الحشمة والهوية الأصلية للمرأة.
وأثارت الفعالية موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، إذ اعتبر منتقدون أن إدخال مثل هذه الحملات إلى الجامعة يمس بطبيعة المؤسسة الأكاديمية التي تضم طلابًا من خلفيات دينية واجتماعية متنوعة، وحذروا من تحول الحرم الجامعي إلى مساحة لفرض تصورات فكرية أحادية.
في المقابل، دافع مؤيدو الحملة عن حقها في نشر ما يرونه قيمًا دينية وأخلاقية، معتبرين أن الدعوة إلى اللباس الشرعي تدخل ضمن إطار الحرية الشخصية والتعبير عن القناعات.
بين قرارات الوزارة والواقع الجامعي
يتقاطع هذا الجدل مع قرار سابق لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي صدر في أيار 2025، والذي حظر نشر أو ترويج أي محتوى يحرض على الكراهية أو الطائفية أو يهدد الوحدة الوطنية والسلم الأهلي داخل الجامعات والمعاهد، مع فرض عقوبات قد تصل إلى الفصل النهائي أو الإحالة إلى القضاء بحق المخالفين.
وتكشف الحادثة عن تحدٍ أكبر يواجه الجامعات السورية اليوم؛ فبعد سنوات من الحرب التي أضعفت المؤسسات وغيرت البنية الاجتماعية، باتت الجامعات أمام اختبار صعب يتمثل في الحفاظ على دورها بوصفها فضاءً للعلم والتعددية والحوار، بعيدًا عن الاستقطابات الفكرية والدينية التي تجد في الفراغ المؤسساتي أرضًا خصبة للانتشار.
وبين مطالب تنظيم النشاطات وحماية الحريات الفردية، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة المؤسسات التعليمية السورية على استعادة توازنها التاريخي، في بلد ما تزال صراعات الهوية والسلطة والمجتمع تلقي بظلالها الثقيلة على مختلف تفاصيل الحياة العامة.
اقرأ أيضاً: فصل نهائي لطالبين في جامعة دمشق بسبب استخدام الذكاء الاصطناعي يثير جدلاً واسعاً