صراع الملكية في سوريا: هل تُهدد “فتاوى الإصلاح” وتوجهات “الأوقاف” استقرار السوريين؟

يواجه مئات الآلاف من السوريين حالة من القلق المتزايد حول مصير الملكية العقارية والزراعية، إثر بروز ملفين شائكين في الآونة الأخيرة: فتوى المفتي الشيخ أسامة الرفاعي بشأن أراضي الإصلاح الزراعي، وتوجه وزارة الأوقاف لحصر الأملاك عبر الأرشيف العثماني. هذان الملفان يفتحان الباب على مصراعيه أمام تساؤلات كبرى حول مستقبل الملكية الخاصة في سوريا.

1. فتوى الإصلاح الزراعي: صدام الشرع والواقع الميداني

أثارت فتوى الشيخ أسامة الرفاعي جدلاً واسعاً بتحريم التعامل مع الأراضي التي وُزعت بموجب قوانين الإصلاح الزراعي في منتصف القرن الماضي.

  • الإشكالية الفقهية: الفتوى تضع الملكيات المستقرة منذ أجيال في موضع تساؤل شرعي، مما يهدد بنشوء نزاعات بين الملاك القدامى والفلاحين الحاليين.

  • المخاطر الاجتماعية: إعادة فتح هذا الملف قد يحيي صراعات طبقية في الريف السوري، ويزعزع استقرار البنية الاقتصادية التي تشكلت عبر عقود.

2. الأوقاف والأرشيف العثماني: هل يتم نزع الملكيات التاريخية؟

بالتوازي مع جدل الإصلاح الزراعي، يبرز توجه لاستخدام وثائق الأرشيف العثماني لإعادة تصنيف العقارات، خاصة في مراكز المدن الكبرى كـ دمشق وحلب.

  • تحول الملاك إلى مستأجرين: تكمن الخطورة في تحويل عقارات خاصة توارثها الأفراد إلى “أملاك وقفية”، مما يحول صاحب العقار من مالك إلى مجرد مستأجر بعقد انتفاع مؤقت.

  • الخسائر الاقتصادية: هذا الإجراء قد يؤدي إلى تجريد العائلات من أصولها المالية الثابتة ونقل القيمة الاقتصادية إلى المؤسسات الدينية.

3. التوتر بين القانون الحديث والشرعية التاريخية

تتصادم هنا مرجعيتان:

  1. المرجعية الدينية/التاريخية: التي تستند إلى الوقف التاريخي والفتاوى.

  2. المرجعية القانونية الحديثة: التي تحمي الملكية الخاصة بموجب الدستور ومبدأ “حسن النية” في التملك. هذا التناقض يضع النظام القانوني السوري أمام اختبار حقيقي حول كيفية حماية حقوق الأفراد المكتسبة بمرور الزمن.

4. الأبعاد السياسية: إعادة هندسة النفوذ الاقتصادي

يرى خبراء أن تحريك هذه الملفات في هذا التوقيت قد يكون أداة سياسية لإعادة ترتيب موازين القوة والسيطرة على الأصول العقارية الثمينة. فاستدعاء الخطاب الديني أو الوثائق التاريخية يمنح “شرعية” لقرارات قد تهدف في جوهرها إلى إعادة توزيع الثروة والنفوذ.

5. مخاوف شعبية ودعوات للاحتجاج

انعكس هذا التوتر على المزاج العام عبر دعوات للاعتصام تزامناً مع ذكرى الجلاء، احتجاجاً على التهديدات التي تطال حقوق الملكية. القلق الشعبي ينبع من انعدام اليقين، حيث تُعد “الثقة في الملكية” الركيزة الأساسية لأي استقرار اقتصادي أو اجتماعي.

الخلاصة: سوريا أمام سيناريوهات مفتوحة

إن محاولة “تصحيح التاريخ” عبر استعادة حقوق قديمة قد تؤدي إلى “شروخ اجتماعية” جديدة لا يمكن التنبؤ بتبعاتها. التحدي الحقيقي أمام صانعي القرار اليوم هو الموازنة بين الحقوق التاريخية وبين ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي وحقوق مئات الآلاف من الأسر التي استقرت حياتها بناءً على قوانين قائمة.

إقرأ أيضاً: وثائق عثمانية تهدد ملكيات السوريين: هل يتحول المُلاك إلى مستأجرين لدى وزارة الأوقاف؟

إقرأ أيضاً: «هذه أرض تركية»… كلام ضابط سوري يفجّر غضباً واسعاً في الشارع

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.